
واحة للصائمين والقائمين وأصحاب الأعذار (10) .. أَينَ شَرقُ الأَرضِ مِن أَندَلُسِ؟
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
واحة للصائمين والقائمين وأصحاب الأعذار (10)
أَينَ شَرقُ الأَرضِ مِن أَندَلُسِ؟
1
وفي أدب النفس وتأديبها مجموعة أقوال سارت بها الركبان منها قول أبو ذؤيب الهذلي وسيدنا علي رضي الله عنه وعنترة بن شداد العبسي.
يقال: إن أبدع بيت قالته العرب قول أبي ذُؤيب الهُذَليّ:
والنفسُ راغبةٌ إذا رَغَّبتها
وإذا تُردُّ إلى قَليلٍ تَقْنعُ
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
أَلم تَرَ أَنَّ الفَقْرَ يُرجى له الغِنَى
وأَنَ الغِنى يُخشى عليه من الفقرِ
وقال عنترة بن شداد:
إِنّي اِمرُؤٌ سَمحُ الخَليقَةِ ماجِدٌ
لا أُتبِعُ النَفسَ اللَجوجَ هَواها
2
وكان آل البيت ما حشا المصطفى صلى الله عليه وسلم يُقرضون الشعر وكان المصطفى يحبه ولذلك صاروا أصدق العابرين على حدائق الحقائق والرقائق. يقول ابن رشيق القيرواني صاحب كتاب (العمدة في محاسن الشعر وآدابه) معلقاً على هذا الرهط الطاهر:
فمن ذلك قول عبدالله بن عباس رضي الله عنهما ، وليس من بني عبدالمطلب رجالاً ونساء من لم يقل الشعر، حاشا النبي صلى الله عليه وسلم.
إذا طارقاتُ الهَمِّ ضاجَعَتِ الفَتى
وأعمَلَ فكرَ الليلِ والليلُ عاكرُ
وباكَرَني في حاجةٍ لم يجد لها
سوايَ ولا من نَكبَةِ الدهرِ ناصرُ
فَرجتُ بمالي همَّه من مقامِهِ
وزايَلَهُ همٌّ طروقٌ مُسامِرُ
وكان له فَضلٌ عليَّ بظنهِ
بيَ الخيرَ إنّي للذي ظَنَّ شاكِرُ
3
الدراويش والمجانين والزهاد والسادة الملاماتية في تاريخ الأدب العربي والتصوف والأحوال كثر وأشهرهم بهلول المجنون وسعدون، وما حُكي عن سعدون هذا أنه مرّ بأبي عطاء البنّاء يبني قصرًا فأمسك قطعة فحمٍ وكتب على أحد جدرانه:
ما حالُ من سكن الثرى ما حالُهُ؟
أمسى وقد رثّت هناك حباله
أمسى وقد درست محاسن وجهه
وتفرّقت في قبره أوصاله
واستبدلت منه المجالس غيره
وتُقُسّمت من بعده أمواله
حاشية:
وكان المجذوب عليه الرحمة عندما يقرأ أبيات سعدون هذه (يستحول ويصيح هؤلاء مجاذيبنا فكيف بعقلاءنا!).
4
ومن المشاعر التعبيرية للكاتب الأمريكي مارك توين أن: (اللطف هو اللغة التي يستطيع الأعمى أن يراها ويستطيع الأصم أن يسمعها).
حاشية:
عزيزي مارك إني أشك أن زوار الجزيرة الملعونة لجيفري إبستين قد مروا بهذه العبارة اللطيفة أو أنهم سمعوا أو قراؤوا كتاباً لاسمك الكبير.
5
من الرؤى النقدية التي تستحق الاحتفاء بقيمة الشعر في وجداننا ومعارفنا وثقافتنا هذه العبارات الراقية الناقدة والموحية والمحرضة على الاستنارة:
حفظ الشعر عن ظهر قلب علامة على الإنسان المتحضّر، لأنه لا يقتصر على ترديد الأبيات، بل يعمّق صلتنا بالكلمات والأفكار التي بلغت أرقى درجات التعبير. فحين يحمل المرء القصائد في ذاكرته، تصبح جزءًا من وعيه اليومي، يستدعيها في المواقف المختلفة، فينفتح عبرها على خبرات إنسانية أوسع. كما أن هذا الفعل يُنمّي فينا الذائقة الفنية، ويقوّي ملكة الحفظ والانتباه للتفاصيل الجمالية في اللغة والإيقاع والمعنى، فيرتقي الحس الجمالي والعقلي معًا.
6
ومن لطائف البخلاء والطامعين فيهم ما أورده الجاحظ أن:
أحد البخلاء كان يجلس بباب بيته وبين يديه طبقٌ من التين، جاءه هديةً من جارٍ له، فأبصر أحد الأعراب يتقدم منه فخاف أن يسيل لعاب الأعرابي وتمتد يده إلى التين فأخفى التين تحت عباءته، لكن الأعرابي كان قد رأى ما فعله البخيل، وأحس بمقصده، فجاء وجلس قربه وراح يحادثه.
أراد البخيل أن يشغل الأعرابي بشيءٍ فقال له:
هل تحفظ شيئًا من القرآن يا أخا العرب؟
فأجاب الأعرابي:
نعم. أحفظ القرآن كله.
فقال البخيل:
اقرأ لنا شيئاً من كتاب الله
فقرأ الأعرابي: (والزيتون وطور سنين)
ولم يذكر كلمة “التين” في بداية الآية.
فسأله البخيل:
وأين التين؟
وهو يقصد “أين كلمة التين في الآية الكريمة؟
فقال الأعرابي:
التين تحت عباءتك.
7
اهتمت الثقافة العربية اهتماماً بالغاً بشعراء الشرق الثلاثة من الذين لم يكتبوا بالعربية، جلال الدين الرومي والفيلسوف محمد إقبال والمتأمل الباذخ الموهبة صاحب الرباعيات عمرالخيام.
وقد قام مجموعة من الشعراء العرب بترجمة هذه الأشعار واحتفت بها المكتبة العربية وتغنى بها المطربون الكبار ومنهم كوكب الشرق أم كلثوم التي غنت تقاسيم من رباعيات الخيام ومطولة حديث الروح ومن الذين اشتهرت تراجمهم الشاعر المصري أحمد رامي ولنا تأملات وعودة لهذا الثلاثي الموهوب.
ومن أبيات الخيام التي تصلح للغناء والتأمل:
1
الماءُ يَنْسابُ أمامي الزُلال
أولى بهذا القلبِ أن يَخْفِقا
وفي ضِرامِ الحُبِّ أنْ يُحرَقا
ما أضْيَعَ اليومَ الذي مَرَّ بي
من غير أن أهْوى وأن أعْشَقا
2
أفِقْ خَفيفَ الظِلِ هذا السَحَر
نادى دَعِ النومَ وناغِ الوَتَر
فما أطالَ النومُ عُمرأ
ولا قَصَرَ في الأعمارَ طولُ السَهَر
3
أطفئ لَظى القلبِ بشَهْدِ الرِضاب
فإنما الأيام مِثل السَحاب
وعَيْشُنا طَيفُ خيالٍ فَنَلْ
حَظَكَ منه قبل فَوتِ الشباب
حاشية:
ومثلما اشتهر الخيام بالرباعيات فقد اشتهر من المعاصرين شوقي بالموشحات ومن رائعته (صقر قريش) التي يقول في إطلالتها:
مَن لِنِضوٍ يَتَنَزّى أَلَما
بَرَّحَ الشَوقَ بِهِ في الغَلَسِ
حَنَّ لِلبانِ وَناجى العَلَما
أَينَ شَرقُ الأَرضِ مِن أَندَلُسِ
بُلبُلٌ عَلَّمَهُ البَينُ البَيان
باتَ في حَبلِ الشُجونِ اِرتَبَكا
في سَماءِ اللَيلِ مَخلوعَ العِنان
ضاقَتِ الأَرضُ عَلَيهِ شَبَكا
كُلَّما اِستَوحَشَ في ظِلِّ الجِنان
جُنَّ فَاِسَتَضحَكَ مِن حَيثُ بَكى