
د. هاشم حسين بابكر يكتب: أمريكا وفنزويلا والنفط
أمريكا وفنزويلا والنفط
د. هاشم حسين بابكر
غزو أمريكا لفنزويلا لم يكن سببه تهريب المخدرات إلى أمريكا، فهي قادرة على محاربة المخدرات. وإذا عجز جهاز محاربة المخدرات عن محاربتها، وأمريكا تملك أكبر أجهزة استخبارات في العالم، فإن هذا يشكك في قدرة أمريكا على قيادة السياسة العالمية.
كان الغزو لأمر آخر. فنزويلا ترقد على مخزون هائل من النفط يجعل أمريكا تستغني عن نفط الشرق الأوسط. وأول تحرك للشركات الأمريكية تجاه فنزويلا كان تحرك شركات النفط، فبترول فنزويلا أقرب لأمريكا من بترول الشرق الأوسط.
وأمريكا اليوم في وضع اقتصادي غير مبشر لمستقبلها، وهي تملك ترسانة عسكرية ضخمة، ولعل التاريخ يعيد نفسه. وضع أمريكا اليوم هو ذات وضع ألمانيا هتلر، الذي شن حربا على العالم واستولى على أجزاء كبيرة من أوروبا ليقوي اقتصاد ألمانيا على حساب أوروبا والاتحاد السوفيتي.
وكان غزو ألمانيا للاتحاد السوفيتي هو بداية نهايتها. ودور أمريكا في تلك الحرب لم يكن أساسيا إذا ما قورن بدور الاتحاد السوفيتي الذي فقد في تلك الحرب عشرين مليون مقاتل، بينما فقد العالم خمسين مليون قتيل.
ترامب اليوم يملك ترسانة عسكرية ضخمة واقتصادا مريضا، وهو وضع يشبه وضع ألمانيا في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وقد أفضى ذلك الوضع إلى حرب عالمية. لكن ترامب يتعامل مع العالم، وبالذات مع العالم العربي، كتاجر جشع جمع من الدول العربية مئات المليارات مقابل الدفاع عنها.
وماذا كانت النتيجة. النتيجة كانت حربا ما عانى منها إلا الدول التي تعهد حمايتها وقبض الثمن مقدما. ومن أشد المتأثرين بحرب ترامب دول الخليج وشعوبها، فهو اليوم لا يحتاج إلى بترولها، وقد استعدت شركات البترول الأمريكية لإخراج بترول فنزويلا.
وعندما يرى بترول فنزويلا النور يصبح البترول العربي بلا أثر على اقتصاد أمريكا التي أعدت البديل وهو بترول فنزويلا. ولم تكن المخدرات هي سبب احتلال أمريكا لفنزويلا، بل كان النفط الذي يعد البديل الأمثل لبترول الشرق الأوسط.
هنا على الدول العربية أن تغير سياستها تجاه أمريكا. وعلى الدول العربية أن تضع سياسة بترولية مع الدول المنتجة للنفط، وعلى رأسها روسيا. إنتاج روسيا من البترول مقدر، أما إنتاجها من الغاز فهي من أكبر المنتجين.
أوروبا تستهلك من الغاز الروسي ما يعادل 650 مليون دولار يوميا، وهذا سلاح قوي في يد روسيا. وقد بلغ غباء الدول الأوروبية أن فرضت عقوبات على روسيا بسبب حربها مع أوكرانيا.
أبطل بوتن عقوبات أوروبا بقرار ذكي، ونص القرار على شراء أوروبا الغاز والبترول الروسيين بالروبل الروسي. وكان الغرض من عقوبات أوروبا إضعاف قوة الروبل، ولكن كانت النتيجة أن ارتفع سعر الروبل من 120 روبلا مقابل الدولار إلى أربعين روبلا، وظلت قيمة الروبل في ارتفاع وعملات أوروبا في انخفاض.
الدول غير الصديقة لروسيا تشتري الروبل الروسي بدفع ما قيمته أربعة جرامات من الذهب أو ثلاثة. وهذا القرار أعاد للروبل الروسي قيمة جعلته مطلبا لكل دول أوروبا الغربية غير الصديقة لروسيا.
حتى القمح الذي استخدمته أمريكا وسيلة عقوبات على الدول الفقيرة، أعلن بوتن أن روسيا ستقدمه للدول الفقيرة دون مقابل. وروسيا اليوم تنتج تسعين مليون طن من القمح، تستهلك منها خمسة وسبعين مليون طن، ويبقى خمسة عشر مليون طن تطعم بها روسيا الشعوب الفقيرة دون مقابل.
روسيا التي كانت تستورد القمح من الأرجنتين وكندا تحولت، بفضل القيادة الرشيدة للرئيس بوتن، إلى أحد أكبر المنتجين له، وأصبحت مصدرا للقمح بعد أن كانت مستهلكا.
ومن لا يصنع قراره لا يصنع مصيره بل يفاجأ به.
وعودة للحرب التي أشعلها ترامب في الشرق الأوسط، فهذه الحرب ليست بسبب أن إيران تريد امتلاك السلاح النووي، إنما أشعلها ترامب بسبب انهيار وضع أمريكا الاقتصادي. وهو ذات الوضع الذي جعل هتلر يعلن الحرب العالمية الثانية. والضربات العسكرية التي نفذتها إيران على القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط تدل على ضعف أمريكا في حماية نفسها، ناهيك عن حماية الدول التي تتواجد فيها.
هذه الحرب ليست ضد إيران وحدها، والمقصود منها إضعاف دول الشرق الأوسط الغنية. وإن لم يكن الأمر كذلك فلماذا تهرب رؤوس الأموال من أبوظبي؟.
نتيجة الحرب إفقار ليس أبوظبي وحدها، بل كل الدول العربية المحيطة بها. واليوم رؤوس الأموال هي ما يهرب من الإمارات، وقد اشتعلت الحرب فيها، وقد أشعلتها في اليمن ودمرت أبوظبي الخرطوم التي بنتها.
أهو جزاء سنمار. واليوم نرى الإمارات وقد خرجت منها رؤوس الأموال بفيزا خروج بلا عودة. وعلى نفسها جنت براقش.
سيعود السودان بإذن الله أعظم مما كان عليه. ولا أشك في أن جزءا مقدرا مما سحب من الإمارات سيأتي إلى السودان الذي حاولت الإمارات تدميره بأموالها وأموال غيرها.