
وزير صحة الخرطوم .. إعفاء مفاجئ يثير التساؤلات
قرار هز القطاع الصحي في توقيت حرج
وزير صحة الخرطوم .. إعفاء مفاجئ يثير التساؤلات
تقرير: ألوان
في توقيت بالغ الحساسية، وبينما يحاول القطاع الصحي في ولاية الخرطوم التقاط أنفاسه بعد شهور من الانهيار والاضطراب، جاء قرار إعفاء وزير الصحة المكلف ومدير عام الوزارة، د. فتح الرحمن محمد الأمين، ليعيد طرح أسئلة جوهرية حول إدارة الملف الصحي في البلاد. القرار الذي أصدره والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة جاء محاطاً بظروف معقدة وسياق مليء بالتحديات، خاصة في ظل ما يواجهه النظام الصحي من ضغوط متراكمة نتيجة الحرب وتداعياتها. وبين إشادات بدور الوزير المقال خلال فترة تكليفه، وتساؤلات حول خلفيات القرار، تتجه الأنظار إلى ما وراء الكواليس، حيث تشير معلومات إلى نقاشات ساخنة وخلافات في وجهات النظر داخل أروقة وزارة الصحة الاتحادية. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الأبرز: هل يحتمل القطاع الصحي في هذه المرحلة الدقيقة خسارة أحد كوادره الفاعلة؟.
وأصدر والي ولاية الخرطوم، أحمد عثمان حمزة، قراراً قضى بإعفاء وزير الصحة المكلف ومدير عام وزارة الصحة بالولاية، د. فتح الرحمن محمد الأمين، من منصبه، في خطوة مفاجئة أثارت ردود فعل واسعة داخل الأوساط الصحية والإدارية. وبحسب مصادر مطلعة، فإن القرار جاء عقب مشاركة الوزير في اجتماع بوزارة الصحة الاتحادية، شهد نقاشات حادة حول عدد من القضايا الجوهرية المرتبطة بواقع القطاع الصحي في السودان، خاصة في ظل التحديات الكبيرة التي تواجهه بعد الحرب. وتشير ذات المصادر إلى أن الخلافات التي برزت خلال الاجتماع ربما عكست تبايناً في وجهات النظر بين الوزير الولائي وبعض قيادات الإدارات في الوزارة الاتحادية، الأمر الذي قد يكون أسهم في اتخاذ قرار الإعفاء.
ويُعرف د. فتح الرحمن داخل الوسط الطبي بجرأته في طرح القضايا ووضوح مواقفه، حيث ظل من الأصوات التي تدفع باتجاه إصلاح النظام الصحي ومعالجة اختلالاته، وهو ما أكسبه احترام شريحة واسعة من الأطباء والعاملين في القطاع، لكنه في الوقت ذاته وضعه في مواقف صدامية مع بعض مراكز اتخاذ القرار.
ويعد الوزير المقال من الكفاءات الطبية البارزة، إذ يُعتبر الاستشاري الوحيد في مجال المناظير الذي واصل العمل داخل ولاية الخرطوم خلال أصعب فترات الحرب، في وقت غادر فيه عدد كبير من الكوادر مواقعهم بسبب الظروف الأمنية. وقد ظل مرابطاً في العاصمة، مقدماً خدماته الطبية دون انقطاع، في مشهد اعتبره كثيرون نموذجاً للالتزام المهني في أوقات الأزمات.
وخلال فترة تكليفه بإدارة وزارة الصحة، عمل د. فتح الرحمن على تحريك عدد من الملفات التي تأثرت بالحرب، ونجح مع فريقه في إعادة تشغيل عدد من المستشفيات والمراكز الصحية في محليات الولاية المختلفة، رغم محدودية الإمكانيات وصعوبة الظروف. ووصف عاملون في القطاع الصحي هذه الجهود بأنها أشبه بعملية “إنعاش” لنظام صحي كان على وشك الانهيار.
كما لعب دوراً محورياً في لجنة تهيئة العودة للعاصمة، حيث ساهم في تجهيز المرافق الصحية لاستقبال المواطنين العائدين بعد فترات النزوح الطويلة، وهو جهد حظي بإشادة واسعة من داخل الوسط الطبي وخارجه.
ورغم هذه الإنجازات، جاء قرار الإعفاء في توقيت حرج، لا يزال فيه القطاع الصحي يعاني من آثار الحرب، ويواجه تحديات كبيرة تتعلق بإعادة البناء والتأهيل وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين.
وقد فتح القرار الباب أمام تساؤلات عديدة، خاصة فيما يتعلق بتأثيره على استقرار العمل داخل الوزارة، ومدى انعكاسه على جهود إعادة تأهيل النظام الصحي في الولاية، فضلاً عن الرسائل التي قد يحملها للعاملين في القطاع، في ظل الحاجة إلى الاستقرار الإداري ودعم الكفاءات.
ويرى مراقبون أن مثل هذه القرارات، إذا ارتبطت بخلافات في وجهات النظر، قد تؤثر سلباً على بيئة العمل، خاصة في القطاعات الحيوية التي تتطلب درجة عالية من التنسيق والتكامل بين المستويات الاتحادية والولائية.
ويرى رئيس تحرير صحيفة “المقرن”، محجوب أبو القاسم، أن قرار إعفاء د. فتح الرحمن يمثل خسارة حقيقية للقطاع الصحي في هذه المرحلة الحرجة، مشيراً إلى أن النظام الصحي في السودان لم يكن بعيداً عن تداعيات الحرب التي طالت بنيته التحتية وأضعفت قدرته على تقديم الخدمات.
وقال محجوب إن ما تعرضت له مستشفيات ومراكز الخرطوم من دمار أدى إلى خروج عدد كبير منها عن الخدمة، ما جعل الحاجة ملحة لكل طبيب ولكل سرير، في وقت تضاعفت فيه معاناة المواطنين. ومع ذلك، بدأت ملامح التعافي تظهر تدريجياً بفضل جهود كوادر طبية وإدارية اختارت البقاء في الميدان رغم المخاطر. ويضيف محجوب أن د. فتح الرحمن كان في مقدمة هؤلاء، حيث واصل العمل داخل العاصمة خلال أصعب الظروف، وأسهم في إعادة تشغيل عدد من المؤسسات الصحية، إلى جانب دوره في تهيئة المرافق لاستقبال العائدين، وهو ما جعل وجوده يمثل قيمة مضافة حقيقية للقطاع.
وأشار أبو القاسم إلى أن توقيت الإعفاء يثير القلق، خاصة أن القطاع الصحي لا يزال في مرحلة التعافي، مؤكداً أن البلاد بحاجة إلى الحفاظ على الكفاءات الوطنية لا إقصائها بسبب خلافات إدارية أو تباين في وجهات النظر. وحذر من أن تحويل الخلافات المهنية إلى قرارات إقصاء قد يبعث برسائل سلبية داخل المؤسسات، ويؤثر على الروح المعنوية للعاملين، داعياً إلى مراجعة مثل هذه القرارات إذا ثبت أنها لا تخدم المصلحة العامة.
ويختتم محجوب بالقول إن المرحلة الحالية تتطلب تغليب روح التوافق والعمل المشترك، لأن إعادة بناء النظام الصحي لا يمكن أن تتم دون الاستفادة من كل الخبرات الوطنية، خاصة تلك التي أثبتت حضورها في أصعب الظروف.