
أمجد فريد مستشاراً .. رسالة سياسية تعيد تشكيل المشهد
أمجد فريد مستشاراً .. رسالة سياسية تعيد تشكيل المشهد
تقرير: القسم السياسي
في لحظة سياسية معقدة تتداخل فيها الحرب مع صراعات النفوذ الإقليمي والدولي، برز قرار تعيين الدكتور أمجد فريد الطيب مستشاراً لرئيس مجلس السيادة الانتقالي كخطوة لافتة تحمل أبعاداً تتجاوز حدود التعيين الإداري إلى إشارات سياسية عميقة. فالقرار يأتي في سياق سعي واضح لإعادة ضبط صورة الدولة السودانية خارجياً، وتعزيز حضور الصوت المدني داخل دوائر صنع القرار، في وقت تتصاعد فيه الأسئلة حول طبيعة التوازنات داخل مؤسسات الحكم خلال الحرب. كما يعكس التعيين توجهاً نحو استيعاب شخصيات ذات خلفيات ثورية ومدنية في مواقع التأثير، بما يعزز من فرص إعادة بناء خطاب سياسي أكثر اتساقاً مع تطلعات التحول الديمقراطي. وبين الرمزية السياسية والرهانات العملية، يفتح هذا القرار الباب أمام قراءة أوسع لمستقبل العلاقة بين السلطة والمجتمع المدني، ودور النخب المستقلة في صياغة ملامح المرحلة القادمة.
من جانبه أعلن أمجد فريد الطيب، قبوله التكليف بتسميته مستشاراً للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية لرئيس مجلس السيادة الانتقالي، مؤكداً أن قراره يأتي انحيازاً لمصالح الشعب السوداني في ظل «معركة وجودية» تمر بها البلاد. وقال فريد إن المرحلة الراهنة لا تحتمل الحياد أو التراجع، مشدداً على ضرورة خوض “المعارك الوطنية” دفاعاً عن الدولة ومؤسساتها. واعتبر أن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 كشفت طبيعة الصراع الدائر في السودان، متهماً مليشيا الدعم السريع بشن حرب شاملة على الدولة واستهداف مقوماتها الأساسية. وأكد المستشار الجديد التزامه بالعمل من موقعه لدعم استقرار السودان والحفاظ على سيادته، داعياً إلى تغليب مصلحة المواطنين، مشيراً إلى أن انحيازاته ستظل «للناس ولمصالحهم» خلال هذه المرحلة الحرجة.
وينتمي الدكتور أمجد فريد إلى جيل نشأ في قلب التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها السودان خلال العقود الأخيرة. وُلد في أم درمان، وتلقى تعليمه في مجال الطب، قبل أن يتجه نحو البحث العلمي والإحصاء الحيوي، وهو ما منحه خلفية تحليلية انعكست لاحقاً في نشاطه السياسي والفكري.
برز اسمه مبكراً في الحراك الشبابي المناهض للنظام السابق، حيث ساهم في تأسيس حركات شبابية لعبت دوراً مهماً في تعبئة الشارع وتنظيم الاحتجاجات. وبعد خروجه من العمل الحزبي، واصل نشاطه كفاعل مستقل، معتمداً على شبكات مدنية واسعة. كما كان له دور محوري في مبادرة “نفير” التي شكلت نموذجاً للعمل التطوعي المنظم، وأسهمت في إعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والدولة.
عقب التغيير السياسي، انتقل إلى العمل داخل مؤسسات الحكم، حيث شارك في جهود إصلاحية مهمة، خاصة في مجالات الخدمة المدنية والتنسيق الدولي، قبل أن يعود لاحقاً إلى العمل البحثي والاستشاري، محتفظاً بحضور فاعل في النقاش العام حول قضايا الانتقال والإصلاح.
ويحمل تعيين أمجد فريد في هذا التوقيت دلالات متعددة، تتصل بطبيعة المرحلة التي تمر بها البلاد. فمن جهة، يعكس القرار محاولة لإعادة التوازن داخل هياكل السلطة عبر إدماج صوت مدني مستقل يتمتع بقدر من المصداقية داخلياً وخارجياً. ومن جهة أخرى، يشير إلى إدراك متزايد لأهمية الخطاب السياسي في إدارة الصراع، خاصة في ظل الحرب التي لا تُخاض بالسلاح فقط، بل أيضاً عبر كسب التأييد الدولي وصياغة الروايات المؤثرة.
كما أن وجود شخصية معروفة بمواقفها النقدية تجاه الإسلام السياسي والمليشيات المسلحة داخل الدائرة الاستشارية، يبعث برسائل موجهة إلى الداخل والخارج على حد سواء، مفادها أن هناك توجهاً لإبراز ملامح مدنية في إدارة الدولة، حتى في ظل الظروف الاستثنائية.
وعلى المستوى العملي، يمكن أن يسهم هذا التعيين في تحسين قنوات التواصل مع الفاعلين الدوليين، خاصة في الملفات المرتبطة بالمساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار، إضافة إلى تعزيز قدرة الحكومة على تقديم رؤية أكثر تماسكاً بشأن مستقبل البلاد.
التأثير المتوقع على السياسات
من المرجح أن ينعكس حضور أمجد فريد داخل مؤسسة مجلس السيادة على عدد من الملفات الحيوية، لا سيما تلك المتعلقة بالإصلاح المؤسسي والعلاقات الخارجية. فقد عُرف بطرحه لرؤية متكاملة لمعالجة الأزمة السودانية، تقوم على إعادة الاعتبار للعملية السياسية المدنية، وتنفيذ إصلاحات عميقة في أجهزة الدولة، إلى جانب معالجة اختلالات القطاع الأمني.
كما أن مواقفه السابقة من قضايا مثل حقوق الإنسان والهجرة واللاجئين قد تضيف بعداً جديداً في طريقة تعامل الدولة مع هذه الملفات، خاصة في ظل الضغوط الدولية المتزايدة. ومن المتوقع أيضاً أن يسهم في صياغة خطاب دبلوماسي أكثر حساسية تجاه القضايا الإنسانية، بما يعزز من فرص استعادة ثقة الشركاء الدوليين.
غير أن فعالية هذا الدور ستظل مرهونة بمدى الصلاحيات الفعلية المتاحة، وقدرة المؤسسة الحاكمة على استيعاب الرؤى الإصلاحية وتحويلها إلى سياسات قابلة للتنفيذ.
ويرى خبراء في الشأن السياسي السوداني أن تعيين أمجد فريد يمثل “خطوة ذكية من حيث التوقيت والرسائل”، لكنه يحذر من المبالغة في تقدير أثره ما لم يُترجم إلى نفوذ حقيقي داخل دوائر القرار. ويضيف الخبراء أن أهمية التعيين تكمن في كونه يعيد إدخال عنصر الثقة مع بعض الفاعلين الدوليين الذين ينظرون بإيجابية إلى الشخصيات المدنية المستقلة.
ويشير الخبراء إلى أن التحدي الأكبر لا يتعلق بشخص المستشار، بل بالبيئة السياسية المحيطة، ومدى استعدادها لتبني مقاربات جديدة في إدارة الأزمة. كما يؤكد أن وجود صوت إصلاحي داخل مؤسسة سيادية قد يسهم في تحسين جودة النقاش الداخلي، لكنه لن يكون كافياً وحده لإحداث تحول جذري دون إرادة سياسية أوسع.
وقال الخبراء أن هذا التعيين يمكن أن يشكل بداية لمسار مختلف، إذا ما تم البناء عليه ضمن رؤية متكاملة تعيد تعريف دور الدولة وعلاقتها بالمجتمع.
ويبقى تعيين أمجد فريد خطوة تحمل في طياتها فرصاً وتحديات في آن واحد. فهي من جهة تعكس محاولة لإعادة صياغة ملامح السلطة في ظل الحرب، ومن جهة أخرى تطرح تساؤلات حول حدود التأثير الحقيقي للشخصيات المدنية داخل مؤسسات الحكم. وبين الرمزية السياسية والواقع العملي، سيتحدد وزن هذه الخطوة بقدر ما تستطيع أن تترجم إلى سياسات ملموسة تعيد الثقة في مسار الدولة، وتفتح أفقاً جديداً أمام مشروع التحول الديمقراطي في السودان.