الباشبوزق .. رواية سودانية تفكك تاريخ الأزمات السياسية والاجتماعية

الباشبوزق .. رواية سودانية تفكك تاريخ الأزمات السياسية والاجتماعية

بقلم: صلاح الدين عبد الحفيظ

صدر عن عزة للنشر الرواية السودانية الجديدة الباشبوزق، وهي رواية ذات أبعاد سياسية واجتماعية للكاتب عبد الرحيم محمد صديق، في 478 صفحة من القطع المتوسط، ورقياً.
داخل الرواية خمسة ملامح رئيسية لما أراد الكاتب عكسه بمنظور روائي، فيه تشابك الاجتماعي مع السياسي، مع استدعاء وقائع التاريخ السياسي لحقبتي المهدية والحكم الاستعماري.
ها هنا ملامح الرواية الرئيسية:
التراث الشعبي السوداني
يكثف الكاتب، باعتباره قارئاً لتاريخ السودان وثقافته، من استدعاء الموروثات الشعبية كلماتٍ وعباراتٍ، بل جعل من الحوار بين شخصيات الرواية ينحو منحى الحكايات الشعبية، في إمساك متماسك بلغة الرواية، دون إخلال بوحدتي الزمان والمكان للحدث الروائي. انظر صفحة 14 في الحوار بين الباشمهندس وعمر:
(الله يسامحك يا عمر أنا قاعد أسجن الناس). (قدورة دور المسكين نهائي ما بليق عليك، أنت شرير بطبعك). الخ الحوار.
أو صياح الدرويش صفحة 35، منشداً إنشاداً صوفياً:

حي حي حي
يا مسكين يا مسكين
القبر للعمل صندوق
اعمل صالح الأعمال
قبل ما يقفلوا الصندوق
يا مسكين يا مسكين
حي حي حي

داخل هذه الأنشودة الصوفية تبرز مقدرة الكاتب على إقحام التنوع الكتابي دون ابتعاد عن الفكرة الرئيسة لجزئية العمل الروائي (حالة الفقر والعوز التي يعيش فيها أبطال الرواية)، ممزوجاً ذلك بمشاهد حية لحياة أولئك الفقراء، حباً وصبابةً بين الأحبة، كما في حالة التاية وحماد.
التاريخ يتحدث بلسان أبطال الرواية
تبرز ثقافة الكاتب في إقحام قراءاته في تاريخ المهدية، في وصف سجن الساير سيئ السمعة، وذكره لأكثر الشخصيات التي عانت انتهاكاً داخله، وهو النمساوي شارلس نيوفولد، مع وصف سينمائي لتفاصيل السجن والسجناء، وما يدور فيه من عسف وانتهاكات.
بقراءاته العميقة لتاريخ المهدية تمكن الكاتب من الطواف على شكل الحياة الاجتماعية والسياسية داخل تلك الفترة الكالحة من تاريخ السودان، ويظهر ذلك في تصوير حالات خاصة أصر الكاتب على إيرادها، وهي بتتابع واضح: (الجواسيس، علاقات الإنتاج، التفلتات الاجتماعية، تمكين آل الخليفة عبد الله من مقدرات الدولة، وصف الشخصيات، أسباب مجاعة العام 1892 و1893، ضعف الوازع الديني والأخلاقي للخليفة عبد الله وحاشيته، خوف المواطنين من عسف الخليفة عبد الله).
داخل فصل من الرواية يلحظ القارئ وجود المصريين داخل المجتمع السوداني في حوارات غلبت عليها الدارجة المصرية، وهو أمر أقحمه الكاتب لتصوير علاقات متشابكة ما بين الوجود المصري في تلك الحقبة وتقبل المجتمع السوداني لذلك الوجود المجتمعي.
السياسة والانتهازيون
داخل صفحة 190 إشارة واضحة لدور الانتهازيين السياسيين في شخصية عبد القادر الأنصاري، وكأنما أراد الكاتب أن يذكرنا ويجعل ذاكرتنا تستدعي نماذج مشابهة في عهود معاصرة لأمثال عبد القادر الأنصاري.