
سوق العناقريب .. عبق الزمان وجذور المكان
سوق العناقريب .. عبق الزمان وجذور المكان
بقلم: إبراهيم فتح الرحمن سمباي
إن كنت قادماً من موقف بصات حاج الريح، وخطواتك تحملك غرباً نحو قلب عطبرة القديم، وبين دكاكين دلالة عطبرة وزريبة عيش عمنا التوم سمباي، هناك تحديداً، وبين البساطة والحنين، يستقر سوق العناقريب… ذلك السوق العتيق الذي لا يشبه الأسواق، بل يشبه البيوت، بأسقفه المنخفضة وغرفه الصغيرة التي تبدو وكأنها خزائن صغيرة تختزن أسرار التاريخ.
سوق بمدخلين وألف حكاية.
من الشرق له مدخلان، وعلى المدخل الجنوبي كشك صغير لعبد السلام التكروني، يعرض الصحف والمجلات القديمة، كأنك تمسك بأطراف عقودٍ مضت وتشتري المعرفة بثمن زهيد. أما من الغرب، فمخرجان، أحدهما على الجانب الشمالي، ويفضي إلى مقهى صغير، مكان للأنس والراحة، تنبعث منه رائحة البن والبساطة.
داخل السوق… متحف شعبي ينبض بالحياة.
في الغرف الصغيرة، تجد الأزيار الطينية المصقولة التي تُبرّد الماء بروح الريف، وسعف النخيل المجدول بإتقان، والحبال المتينة، والبروش العادية والملونة، والقفاف من سعف النخيل، وارد أبو حمد والعبيدية، وجوالات فحم الطلح ذات الرائحة الزكية، وكل أنواع العناقريب: للنوم، وللجرتق، وللمناسبات.
من بين صناع العناقريب البارعين، يسطع اسم لا يُنسى: الخواجة موريس. كان معلماً في الحرفة، يخرط الخشب بحرفية نادرة، يشبك الزوايا ويُهيئ القواعد، كأنه يبني جسراً بين الحرفة والفن، لينسج عليه الزبون تفاصيل راحته.
الركن الشمالي من السوق احتضن مكتباً صغيراً تابعاً لبلدية عطبرة، يرصد حركة السوق كمن يُدوِّن يوميات مدينة تعيش على إيقاع صافرة السكة حديد.
أما أبطال هذا المكان… فهم الذاكرة الحية:
سعيد الأرباب، الشيخ الجعلي، وأبو كدوس، وسراج من بربر، مجدوب الكندو وود العاقب من الباوقة، أبوتله، محمد حمد حسين الشكولابي، محمد علي المضوهر، كرار عمر، صديق حسين، محمد الأنصاري، حسن هارون، سعيد إبراهيم، حسن عمر، عوض حامد، شقاوة، التوم حمري…
أسماء كأنها أنغامٌ تعزف على أوتار سوق عطبرة القديم..
حوّلت سواد الفحم إلى دفء ونعيم، وحمرة الفخار إلى عز وفخار حد الارتواء.
سوق العناقريب كان منصةً للحكايات، ومسرحاً مفتوحاً لذاكرة عطبراوية تقاوم النسيان، تصرخ في وجه العابرين: هنا كانت الحياة تُنسج بخيوط الصبر والحب.
كل عود عنقريب يحكي قصة، وكل حبل مشدود على إطاره يهمس بسرّ من أسرار الناس… أتراحهم، أفراحهم، أعراسهم، أيامهم التي مضت.
في قلب هذا السوق، كانت عطبرة تروي نفسها، مدينة الحديد والنار لمن عرف صلابتها، وأم دوم لمن أحب طيبتها وظلال نخيلها وأشواقها، مدينة تمشي على قضبان الذاكرة كما تمشي القطارات على الفلنكات… بثبات وعنفوان.
وهناك، فوق ظهر العناقريب، كان يُنسج الحب، وتُحاك العلاقات، وتُرتب أحلام البسطاء، كما لو كانت حياة كاملة تُصنع من خشب وسعف ويدين تعرفان الدفء وتغزلان السكينة موضعاً للراحة ومأوى للحنان.