
إبراهيم شقلاوي يكتب: العدالة أم تصفية الحسابات؟
وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي
العدالة أم تصفية الحسابات ؟
إذا أردنا فهم المشهد السياسي الراهن، يجب أن ننظر أولًا إلى تأثير الحرب على وعي المجتمع السوداني، الذي تشكل حول المؤسسة العسكرية كتلة شعبية ضخمة ، تتجاوز الدعم السياسي القابل للتغيير لتصبح حالة وجدانية متجذرة في شعور بالكرامة والرغبة في القصاص.
هذه الكتلة، التي سماها الرئيس عبد الفتاح البرهان لدي مخاطبته الثلاثاء أهالي جزيرة مقرات بولاية نهر النيل بـ”شعبية الجيش” وليس “شعبيته الشخصية”، تمثل تمازجًا بين المجتمع والمؤسسة العسكرية أمام التهديد الوجودي، الذي أوشك أن يبتلع الدولة ، مثلت تحديًا معقدا للبلاد ، كونها غير منظمة، وغير قابلة للتعامل مع الصراع الحزبي أو التسوية السياسية.
في هذا السياق ، جاء إعلان “صمود” عن استئناف عمل لجنة إزالة التمكين حدثًا منفصلًا عن هذا الواقع، ليتجاوز الجدل السياسي إلى صميم الصراع على تعريف العدالة والقانون. اللجنة التي تأسست وفق الوثيقة الدستورية كأداة ضمن منظومة الحكم الانتقالي، تواجه اليوم تساؤلات معقدة : ما مدى شرعيتها؟ هل هي جزء من بنية الدولة، أم تريد أن تتحول إلى أداة سياسية موازية؟ وما أثر التغيرات والأطماع الدولية علي إعلانها ، خاصة ضغوط الرباعية، التي تسعي إلى فرض سلام وفق رؤيتها وبما يحفظ مصالحها.
المشكلة ليست في مبدأ محاربة الفساد أو تفكيك التمكين، فهما أهداف مشروعة لإعادة بناء الدولة، بل في الأدوات والآليات. هل تُدار هذه العملية عبر مؤسسات عدلية مستقلة وشفافة، أم عبر لجان سياسية تعمل في بيئة مستقطبة يغلب عليها الثأر من الخصوم ؟ التجربة السابقة للجنة أثبتت هشاشتها، حيث أثار أداؤها جدلاً واسعًا، وظهرت تجاوزات مهنية وقانونية، جعلت أي محاولة لإحيائها خارج إطار القانون محل شك وريبة.
الخطورة تكمن في الخليط بين العدالة والسياسة، إذ حين تُدار أدوات المحاسبة وفق أجندات سياسية، تتحول العدالة من قيمة وطنية جامعة إلى وسيلة لتصفية الحسابات. إضافة لذلك، هناك قوى سياسية تستخدم فكرة العدالة لتعيد التموضع أو تمرير مصالحها، بينما يتحرك الخارج أحيانًا كفاعل مؤثر، بما يضاعف التعقيد ويهدد استقلالية أي عملية قضائية.
في الوقت نفسه، تظهر مفارقة سودانية: المجتمع يطالب بالعدالة والقصاص، لكنه يرفض أن تُدار بطرق قد تعيد إنتاج الحرب والسياسة الانتقامية. نتائج الاستطلاعات والمنتوج الإعلامي تظهر قناعة شعبية بالحاجة إلى العدالة، لكنها تفضّل أن تتم عبر قضاء مستقل، مؤسسات واضحة، ومعايير موضوعية تشمل النزاهة والكفاءة والالتزام بالدستور والوحدة الوطنية، بعيدًا عن المحاصصة الحزبية أو الانتقائية السياسية.
التحدي الأكبر الآن هو تأسيس نموذج جديد للعدالة في السودان، يوازن بين شرعية القانون وحاجات المجتمع وواقع الدولة. أي خطوة غير محسوبة قد تعيد إنتاج الصراعات الداخلية، وتكرّس فجوة بين إرادة الشعب ومراكز صنع القرار، خصوصًا إذا استُخدمت اللجنة كأداة سياسية أو كقناة للتأثير الخارجي، كما هو ظاهر في القرار الأمريكي الأخير بتصنيف الحركة الإسلامية منظمة إرهابية، مما يجعل اللجنة غطاءً للتخابر الإقليمي والدولي ويضعها تحت طائلة القانون كما ينزع عنها أي غطاء أخلاقي أو قانوني كونها تستفيد من الروافع الدولية في تحييد الخصوم السياسين.
الحل كما يظهر من التجارب، لا يكمن في شعارات أو إجراءات انتقامية، بل في إعادة بناء المؤسسات القضائية والسياسية على أسس وطنية، تمكّن العدالة من القيام بدورها الحقيقي. وهذا يتطلب إرادة وطنية مستقلة، لا تستعير شرعيتها من الخارج، ولا تتأثر بانفعالات اللحظة، مع مراعاة حقوق كل الأطراف السياسية، بما يعيد السودان إلى مسار دولة القانون.
السؤال الذي يحدد مستقبل السودان ونزاهة العملية السياسية ليس فقط: هل هناك حاجة للمحاسبة؟ بل: كيف نمارس هذه المحاسبة، بأي أدوات، وتحت أي شرعية؟ فالعدالة الحقيقية تبدأ من مؤسسات الدولة، لا من أدوات مخزية، ولا من أجندات خارجية لها أطماع في موارد البلاد.
حين تُبنى قواعد القانون ويتفق علي نزاهة العملية السياسية ، يمكن للسودان أن يتحرر من دوامة الصراع، ويبدأ مرحلة جديدة من الاستقرار السياسي والاجتماعي، بعيدًا عن منطق الانتقام، وقريبًا من دولة العدالة.
السودان اليوم بحسب #وجه_الحقيقة يحتاج إلى عدالة تحمي الدولة، لا تفتك بها، وإلى مؤسسات تمنح صوت المجتمع مكانه الطبيعي في القرار السياسي، قبل أن تضيع الدولة في صراع المصالح والنفوذ . في هذه اللحظة الحرجة، الطريق إلى الدولة المستقرة يمر عبر القضاء العادل، والشرعية الواضحة، والمساءلة التي تعكس إرادة الشعب لا مصالح الأطراف الإقليمية والدولية ، وهذا وحده يضمن أن العدالة لن تتحول إلى وجه آخر للصراع، بل إلى حجر الأساس لإعادة بناء الوطن وامنه .
دمتم بخير وعافية.
الخميس 19 مارس 2026 م Shglawi55@gmail.com