د. نجلاء حسين المكابرابي تكتب: العيد بعيون الصغار

مسارات

د. نجلاء حسين المكابرابي

العيد بعيون الصغار

في صباحات العيد، حيث تمتد الضحكات كخيوط الشمس، وتفوح رائحة الفرح من البيوت، ثمة أطفال يفتحون أعينهم على واقعٍ مختلف… واقعٍ لا يشبه العيد إلا في الاسم.
في معسكرات النزوح، لا توقظهم أصوات التكبير القادمة من مساجد عامرة، يوقظهم ضجيج الحاجة، ووجع الفقد، وحنينٌ موجع لبيوتٍ تركوها وذكريات ألعابهم، ومع ذلك… ينهضون. ينهضون بقلوبٍ صغيرة، لكنها أكبر من الألم، وأقوى من الحزن.
العيد في عيون هؤلاء الصغار ليس ثوبًا جديدًا ولا لعبة لامعة، بل لحظة دفءٍ نادرة… قطعة حلوى يتقاسمونها، ابتسامة عابرة من أمٍ تحاول أن تخفي دموعها، أو يدٌ تربت على رؤوسهم وتقول: “كل عام وأنتم بخير”… وكأنها تعيد ترتيب العالم في قلوبهم المرهقة.
يركضون في طرقات المعسكر الترابية، يضحكون بلا سبب واضح، يصنعون من العدم ألعابًا، ومن الألم حكايات، ومن الخيام أوطانًا مؤقتة. هم لا يعرفون الفلسفة، لكنهم يتقنون أعظم دروسها: أن الفرح قرار… حتى في أقسى الظروف.
في عيونهم بريق لا ينطفئ، كأنهم يقولون لنا: “لسنا مجرد ضحايا… نحن الحياة حين تصر أن تستمر”. تراهم يصفقون لأي شيء جميل، يفرحون بأي التفاتة إنسانية، وكأن العالم كله يتجلى في تلك اللحظة الصغيرة.
لكن خلف تلك الابتسامات تختبئ أسئلة كبيرة: لماذا نحن هنا؟ أين بيوتنا؟ متى يعود العيد كما كان؟ أسئلة لا تجد إجابة، فتذوب في صمتٍ ثقيل، أو تتحول إلى أحلام مؤجلة.
العيد في معسكرات النزوح ليس مناسبة عابرة، بل اختبارٌ لإنسانيتنا جميعًا. هو مرآة تكشف كم نحن قادرون على العطاء… أو مقصرون فيه. هو نداء خفيّ بأن هؤلاء الأطفال لا يحتاجون فقط إلى مساعدات، بل إلى أمل… إلى إحساس بأنهم مرئيون، مهمون، وأن العالم لم ينسهم.
أيها الإنسانيون… إن كان للعيد معنى، فهو هنا، في تلك العيون الصغيرة التي تقاوم الانكسار، في تلك القلوب التي لا تزال تؤمن أن الغد قد يكون أجمل.
وإن كانت للفرحة رسالة، فهي أن نكون نحن سببًا فيها… لا مجرد متفرجين على وجعها.
لأن العيد الحقيقي… ليس ما نلبسه، بل ما نزرعه في قلوب الآخرين.
كل عام وأنتم بخير.