
إبراهيم عيسى هدل يكتب: الجيش العربي فين؟!
الجيش العربي فين؟!
إبراهيم عيسى هدل
استدعت الذاكرة ما تداولته وسائل التواصل الاجتماعي عام ٢٠١٠م تقريباً من مقطع مصور للشاعر محمد بهجت الذي استضافته الإعلامية المصرية منى الشاذلي في برنامجها الشهير وقتها “العاشرة مساء” على قناة دريم الفضائية، حيث ألقى بهجت قصيدة شعبية ساخرة يقول في مطلعها: (واحد اثنين . . الجيش العربي فين ؟!..) متهكّماً على مواقف الجيوش العربية المتخاذلة تجاه القضية الفلسطينية، خاصة بعد انحسار المد القومي العربي، وانكفاء التضامن الإسلامي، واختيار قادة الدول العربية للسلام خياراً استراتيجياً للعرب في قمة بيروت العربية عام ٢٠٠٢م.
رمي العرب بالمقولة الاستراتيجية الشهيرة “إذا أردت السلام، فاستعد للحرب” عرض الحائط، غير آبهين بمتطلبات تحقيق السلام الدائم من قوة عسكرية واستعداد دفاعي قوي لردع المعتدين، وهذه المقولة تُنسب للمؤلف العسكري الروماني “فيجيتيوس” في القرن الرابع الميلادي، وينسبها البعض خطأً ليوليوس قصير، وهي تعتبر من البديهيات في عالم السياسة اليوم الذي لا تعترف فيه القوى العظمى بالقانون الدولي واعتماد الوسائل السلمية والدبلوماسية في حل النزعات الدولية، وخاصة في ظل وجود رؤساء “بلطجية” وقتلة من أمثال دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو المتورطان في جرائم حرب الإبادة الجماعية بقطاع غزة، واختطاف الرئيس الفنزويلي “مادورو” وزوجته. وبعد إشعالهما للحرب بالخليج باغتيال المرشد خامنئي وقادة الجيش والحرس الثوري الإيراني، ها هما يبحثان عن مخرج من الحرب وتداعياتها الأمنية والسياسية والاقتصادية على دول العالم.
لقد انكشف ظهر أمريكا بالخليج وتبين أنها نمرٌ من ورق حينما اُستهدفت قواعدها العسكرية وحاملات طائراتها وقواتها البحرية بالصواريخ والمسيرات الإيرانية، ليناشد الرئيس الأميركي ترامب دول العالم ويستجديهم للمساعدة في فتح مضيق هرمز، ويسعى لتكوين حلف عسكري لمحاربة طهران. وهذا الانكشاف للقواعد الأمريكية التي أضحت تتوسل الحماية من جيوش الدول المضيفة، يحتم على العرب وخاصة في الخليج العربي وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية، التفكير جدياً في إعادة تفعيل معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لجامعة الدول العربية التي وقعت في ١٨ يونيو ١٩٥٠م بالقاهرة، وتشكيل قوة عربية مشتركة قادرة على التعامل الفعال مع التهديدات القائمة، والمخاطر التي تواجه الدول العربية جميعها، والرفض الكامل لفرض أية ترتيبات أمنية إقليمية على الدول العربية. وهذا ما دعت إليه مصر باعتبار أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمن مصر وأمن العرب أجمعين. فقد حان الوقت لنفض الغبار عن مؤسسات جامعة الدول العربية وجعلها جامعة للشعوب العربية لا منبر خطابي يكتفي بتدبيج بيانات الشجب والإدانة والاستنكار.
ولعل أول المنكوبين والمنكوين بنيران الصواريخ والمسيرات الإيرانية وتداعياتها الاقتصادية هي دويلة الإمارات التي اختار قادتها تنفيذ الاستراتيجية والمشروع الصهيوني بإضعاف الدول والجيوش العربية في كل من ليبيا والسودان واليمن والصومال، ومع ذلك ما تزال القيادة الإماراتية سادرة في غيها برمي كل بيضها في سلة الصهيونية العالمية، والرهان على دولة الكيان الغاصب العاجزة عن حماية نفسها من المسيرات والصواريخ البالستية والفرط صوتية.
أمام حكام العرب فرصة لبناء قوتهم الذاتية إن توفرت الإرادة السياسية، وارتفعت نسبة الثقة فيما بينهم، لتكوين قوة دفاع عربي مشترك تحمي بلادهم وتحفظ أمنها القومي، وستبقى سخرية الشاعر محمد بهجت من الجيوش العربية قائمة، حال أُكلت الدول العربية واحدة تلو أُخرى، كما أُكل الثور الأبيض، فلا سلام مستدام بالمشرق العربي بلا قوة تحميه.