الكاميرا الجارحة .. حين يصير البكري وأحمد شرفي مُستحيلاً

الكاميرا الجارحة .. حين يصير البكري وأحمد شرفي مُستحيلاً

في كل يوم تدفن الجاليات السودانية مجموعة من الموتى السُمر في بلدان المِهجر مئات قُبروا بالقاهرة ومئات قُبِروا في تركيا وأمثالهم في بريطانيا وأمريكا وكمبالا وإثيوبيا وطرابلس والسعودية والخليج وأقطار لم يسمع السودانيين بها وما كانوا يظنون يوماً أن الزمان سيرميهم المراميا.
وفي ليلة قارصة قَبرنا أحد الأصدقاء في مقابر بلبيس بالشرقية وبعد أن ترحمنا عليه وزرفنا الدموع الغِزار على الصداقة والوطن قصصتُ على المرافقين لي في طريق العودة صوب القاهرة حكاية أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان الذي كل ما نادم فقيهاً أو شاعراً أو كاتباً أو ظريفاً سأله عن أعجب الأحداث التي مرت به في حياته، ولو جُمِعت أسئلة معاوية وإجابات هؤلاء الحكماء لصارت كتاباً يُستفاد من لغته ومن حكمته ومن غرائبه ومن استدلالاته التي تنفع في التدبر ومصارعة شؤون هذه الفانية.
قيل أن عبيد بن سرية الجرهمي دخل على معاوية رضي الله عنه بالشام فقال له معاوية: حدثني بأعجب ما رأيت، قال: مررت ذات يوم بقوم يدفنون ميتاً لهم، فلما انتهيت إليهم اغرورقت عيناي بالدموع، فتمثلت بقول الشاعر:
يا قلب إنك من أسماء مغرور
فاذكر، و هل ينفعك اليوم تذكير
قد بحت بالحب ما تخفيه من أحد
حتى جرت لك إطلاق محاضير
لست تدري، و ما تدري أعاجلها
أدنى لرشدك أم ما فيه تأخير
فاستقدر الله خيرا و ارضين به
فبينما العسر إذ دارت مياسير
و بينما المرء في الأحياء مغتبط
إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه
و ذو قرابته في الحي مسرور

فقال لي رجل: أتدري من هو قائل هذا الشعر؟
قلت: لا.
قال: إنّ قائله هذا الذي دفناه الساعة، وأنت الغريب الذي تبكي عليه و لست تعرفه، وبعض الذين ساروا عن قبره مُبتعدين مُغتبطين هم أقربهم إليه رحماً وظل يردد أبيات الفقيد باكياً:
و بينما المرء في الأحياء مغتبط
إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه
و ذو قرابته في الحي مسرور
*حسين خوجلي*