مكتبةُ دبورة وسِحرُ مزمارِها الدُّبوري

مكتبةُ دبورة وسِحرُ مزمارِها الدُّبوري

بقلم: إبراهيم فتح الرحمن سمباي

وقفتُ أتطلع إلى الكتب أمام طاولة العرض التي تفصل الزبائن عن أرفف مكتبة دبورة. كانت رائحة حبر الكتب والمجلات الجديدة تتسلل إليّ كنسمةٍ دافئة تُوقظ في داخلي ملامح ذكرياتٍ قديمة، بينما تتلألأ في الواجهة كتبٌ جديدة ظهرت لأول مرة: سلسلة كتب ليدي بيرد، تلك الموسوعة المصوّرة ذات الأغلفة الملوّنة البهية التي كانت تُعرّفنا، نحن الصغار، على عظماء تركوا بصماتهم على دروب العلم.
تذكرتُ هذا المشهد وأنا أطالع مرثيةً رقيقة كتبها البروفيسور عبد الله علي إبراهيم، الكاتب العطبراوي الأديب، أستاذ تاريخ أفريقيا والإسلام بجامعة ميسوري بالولايات المتحدة الأمريكية. كان يرثي الراحل عوض الله دبورة، فيسرد ذكرياته عن زياراته للمكتبة أيام دراسته في طريقه إلى مدرسة الجنوبية الأولية. وقد لفتني مقطعٌ مدهش قال فيه: (كان للكتب ملمسٌ عذري من على البعد، كانت فاضحة الإغواء، ونفخت سحر مزمارها الدبوري وأخذتني إلى يومنا هذا).
تخيّلت البروف يستلهم هذا التعبير من قصة الزمار الشهير في بلدة هاملِن الألمانية، حين أغرى الجرذان ثم الأطفال بمزماره السحري حتى تبعوه إلى المغارة التي انطبقت عليهم.
وكما أخذ مزمار هاملِن الأطفال إلى مغارة مجهولة، أخذت صفارة مكتبة دبورة البروف عبد الله علي إبراهيم إلى مغارة التاريخ، وأطبقت عليه أبوابها… فظل مأخوذاً بسحر تلك الذكريات إلى يومنا هذا.
عادت بي الذاكرة إلى ذلك “الملمس العذري” للكتب يوم ظهرت سلسلة ليدي بيرد لأول مرة. كانت رهبة الاكتشاف تُشبه فتح نافذة جديدة على عالم لا نهائي. وكنت أرى أمامي فيصل، ابن عوض الله دبورة رحمهما الله، يتنقّل بخفة بين الزبائن، يناول كتاباً هنا ويسامر أحدهم هناك بخفة روحٍ معروفة عنه.
وفي الجهة الغربية من المكتبة يجلس والده، العم عوض الله، بكامل الوقار خلف مكتبه الخشبي.
خلفه رفوفٌ مرتّبة لصحف المشتركين، وأمامه صندوقٌ صغير يضمّ بطاقات أسمائهم…
نظام دقيق يدلّ على احترامه للمهنة ولزوّار مكتبته.
ناولني فيصل كتابي، فلم أستطع الانتظار حتى أصل إلى البيت. خرجت مسرعاً، أعبر السوق باتجاه الشرق عبر ممرّ سوق العناقريب. لفحتني رائحة السعف والبروش الجديدة كعبير ريفي هادئ، يحمل طمأنينة البيوت القديمة. ومن الجانب الشمالي لاح لي كشك الحاج عبد السلام التكروني، محطتي المفضلة لاقتناء الكتب المستعملة، لكنني مررت به هذه المرة على عجل… ولا يزال الكتاب مفتوحاً بين يدي.
واصلت طريقي حتى وصلت إلى المنزل وما زلت غارقاً في الصفحات تماماً، كمن وجد كنزه الثمين.
حدّثني والدي رحمه الله عندما عاد إلى المنزل، أن الأستاذ التجاني مدثر، مدير مدرستنا حي السوق النموذجية الابتدائية، زاره في دكانه بالسوق وقال له إنه رآني أقرأ وأنا أسير. كان الأستاذ التجاني مدثر مربياً بحق، خشي عليّ من سيارة طائشة، وخاف على بصري من وهج الشمس… فقد كنت أمشي لا أرى شيئاً سوى حروفي الجديدة.
رحم الله العم عوض الله دبورة.
نعاه العشرات من الكتّاب الذين نهلوا من مكتبته المعرفة الأولى. فقد كان يعرف كيف يختار الكتاب الذي يُهذّب النفوس ويشكّل الوجدان.
كانت مكتبته الأنيقة تصنع المسارات العلمية والأدبية للمئات، ترسم اتجاهاتهم، وتترك أثراً حياً في ذاكرة عطبرة وروح أهلها.
كانت مكتبة دبورة مزمار المعرفة الذي أخذت أجيالاً كاملة نحو العلم والنور، وظلت بكل ما فيها من رائحة ورق معتّقة بالمعرفة وأحلام صغيرة تفتحت بين الرفوف، شاهدة على زمن كان للقراءة فيه مهابة، وللكتاب سلطة، وللمكتبة روح تجمع بين الناس كما تجمع الحبوبات أحفادهن حول دفء سرد الحكايات والأحاجي.