د. نجلاء حسين المكابرابي تكتب: حين يصبح الجاني في صفّ الحماية .. من يحمي أطفالنا؟!

مسارات

د. نجلاء حسين المكابرابي

حين يصبح الجاني في صفّ الحماية .. من يحمي أطفالنا؟!

 

ليس عنوانا للجدل ولكنه يحكي واقعا ملموسا يعيشه المجتمع السوداني ويصمت عنه الكثيرون، وليست كل الجرائم سواء… فهناك جرائم تُرتكب، وجرائم تفضح خللًا عميقًا في بنية الدولة واي خلل هو!؟.
وجريمة اغتصاب طفل قاصر بمدينة ودمدني ليست حادثة عابرة يمكن طيّها في دفاتر المحاكم، بل هي سقوط مدوٍّ لمنظومة يفترض أنها وُجدت لحماية الأضعف لا لانتهاكهم.
حين يُعتدى على طفل، فإن الجريمة لا تقع على جسدٍ صغير فحسب، بل تُغتال معها الطمأنينة العامة، ويُكسر أحد أهم أعمدة المجتمع وهو الإحساس بالأمان.
لكن الكارثة الحقيقية تبدأ عندما تشير الوقائع إلى أن المتهم كان جزءًا من مؤسسة يُفترض أن تكون عنوانًا للانضباط والشرف.
أي محاولة لتليين اللغة أو تخفيف توصيف الجريمة هي مشاركة ضمنية في الجريمة نفسها.
فالاعتداء الجنسي على طفل هو انتهاك مطلق للإنسانية
جريمة مكتملة الأركان أخلاقيًا وقانونيًا فعل يستوجب أقصى درجات العقوبة دون تردد أو مجاملة.
ولا مجال هنا لأي حديث عن “ظروف” أو “ملابسات مخففة”، لأن الضحية طفل، ولأن الجريمة تمس جوهر المجتمع لا هامشه.
والصدمة الأكبر هي خلل في بوابة الدخول إلى المؤسسات النظامية
والقضية لا تقف عند حدود الفعل الإجرامي، بل تمتد إلى سؤال خطير كيف يصل – أو يُعاد – شخص بهذه الخطورة إلى مؤسسة نظامية؟
إن إعادة دمج أفراد سبق فصلهم، دون تمحيص صارم، ليست مجرد خطأ إداري… بل مخاطرة مباشرة بأمن المجتمع.
إن أي مؤسسة تحمل السلاح وتملك سلطة، يجب أن تكون أكثر المؤسسات صرامة في الاختيار لا أكثرها تساهلًا.
لكن ما يحدث في ظل الأزمات هو العكس حيث تتسع الثغرات، وتتراجع المعايير، وتُفتح الأبواب تحت ضغط الحاجة، دون حساب للعواقب.
ولعل الدمج بلا معايير يساوي تهديد مباشر للمجتمع ولا يكفي أن نقول “تمت إعادة الدمج”… بل يجب أن نسأل:
بأي معايير؟ وتحت أي رقابة؟
إن أي عملية دمج لا تقوم على فحص أمني دقيق وتقييم نفسي إلزامي ومراجعة صارمة للسجل السابق
وتأهيل أخلاقي وقانوني حقيقي
هي في الحقيقة تفكيك بطيء لمنظومة الانضباط، وزرعٌ لقنابل مؤجلة داخل مؤسسات يفترض أن تكون خط الدفاع الأول.
ويكمن الخطر الحقيقي في فقدان الثقة حين يفقد المواطن ثقته في أن من يرتدي الزي النظامي هو شخص مؤهل أخلاقيًا قبل أن يكون مدربًا عسكريًا، فإننا نكون أمام أزمة أخطر من الجريمة نفسها.
لأن الدول لا تقوم فقط بالقوانين… بل تقوم بالثقة. وحين تُكسر هذه الثقة، يصبح الخوف هو اللغة السائدة، لا القانون.
واخيرا: لا عدالة بلا إصلاح جذري
إن إنزال العقوبة على الجاني مهما كانت قاسية لا تكفي. فالعدالة الحقيقية تبدأ من سدّ الثغرات التي سمحت بحدوث الجريمة أصلًا.
ما نحتاجه اليوم ليس فقط حكمًا قضائيًا رادعًا، بل قرارًا شجاعًا يقول: لا مكان في المؤسسات النظامية إلا لمن اجتاز اختبار الكفاءة… واختبار الأخلاق معًا.
أما غير ذلك، فليس سوى إعادة إنتاج للخطر، وتأجيل لانفجار قادم قد يكون أكثر فداحة.