
صديق البادي يكتب: الرسالة السابعة للرئيس البرهان .. دروس وعبر من دولة رواندا وعاصمتها كيقالي
الرسالة السابعة للرئيس البرهان .. دروس وعبر من دولة رواندا وعاصمتها كيقالي
صديق البادي
جمهورية رواندا الواقعة في شرق أفريقيا وقعت فيها حرب أهلية، بشعة وحدثت فيها إبادة بشرية في عام 1994م. وفي مائة يوم تمَ قتل وإبادة ثمانمائة ألف نسمة من الجنسين رجالاً ونساءً ،ومن مختلف الأعمار (ومجموع سكان رواندا ثلاث عشر مليون نسمة).
وكان لمثل تلك الظروف القاسية أن تحدث فوضى وانهياراً ؛ولكن رواندا لعقت وضمدت جراحها وتجاوزت محنتها ومأساتها. وبعزيمة جماعية فولاذية صلبة، وبقيادة رشيدة، أوقفت الحرب، وضربت المتفلتين والخارجين على القانون بيد من حديد، وتم بسط الأمن والأمان والسلام الشامل.
وأعقبت ذلك بعملية مصالحة شاملة، وتصافٍ، وتعاف ورتق للنسيج المجتمعي، بعد أن مزقت عراه الحرب البشعة. وفتحت رواندا صفحة جديدة، وبالعمل والإنتاج، وعدم إضاعة الوقت في الثرثرة الفارغة، والتنظير الأجوف، والمنافسات، والصراعات، السقيمة، العقيمة، وبالسواعد، لا بالحناجر، نهضت رواندا من كبوتها، وازدهر اقتصادها، وأصبح متوسط دخل الفرد يتيح لهم العيش المستقر الرغد. ورواندا بلد زراعي ومن أهم منتوجاتها وصادراتها الشاي والبن ورواندا توصف بأنها بلد الألف تل.
وتتمتع بطقس صحو معتدل، وأرضها وتلالها تغطيها الخضرة، والنضرة، وهي بلد سياحي جاذب للسياح. والسياحة من أهم مصادر دخلها. ورواندا جاذبة أيضاً للمستثمرين الأجانب (بعكس ما كان يحدث هنا بسبب تنفير المرتشين من جماعة حقي كم؟! للمستثمرين الأجانب، وحتى للمستثمرين المحليين). وكيقالي عاصمة البلاد من أنظف العواصم في أفريقيا. ورواندا تمد أرجلها قدر لحافها ولا تتدخل في شؤون الآخرين، ولا تسمح بأية اختراق لسيادتها الوطنية، وترفض التدخلات الأجنبية، في شؤونها الداخلية. ومساحة السودان حتى بعد انفصال دولة جنوب السودان تساوي مساحة رواندا عدة مرات. ومساحتها قد تكون أقل من مساحة بعض الولايات هنا. وإمكانيات السودان الضخمة غير المستثمرة وتعدد مصادر ثرواته يفوق ما عندها أضعافاً مضاعفة، وما يزخر به السودان من الخبراء والعلماء والمتخصصين في كافة المجالات يفوق مجموع ما عند رواندا والدول المجاورة لها. وطوت رواندا جراحها ونهضت في زمن قياسي بعد انطواء صفحة الحرب. أما هنا في السودان فقد تُرك الحبل على القارب لقوات الدعم السريع قبل اندلاع الحرب الإجرامية الانتقامية بسنوات. وفي العهد السابق كُوّنت هذه القوات لأداء مهام محددة وعددها كان محدوداً ولم يكن لها وجود يذكر داخل العاصمة، وفي أخريات عهد النظام السابق، أمرت بالمجئ للعاصمة بأسلحتها عندما اشتدت المظاهرات المطالبة بسقوط النظام. ومعركة الانتخابات الرئاسية المزعومة المعروفة بانتخابات (٢٠٢٠م) والعناد (وركوب الرأس) الذي صحبها (هي من اسباب المآسي والكوارث التي عاني منها الوطن بعد ذلك) وشهدت تلك الفترة التصريح الشهير بأن أكبر إنجاز تحقق هو إقامة الدعم السريع وأن حميدتي لحمايتي وكان مدخراً ليوم كريهة وسداد ثغر؛ ليواجه بشراسة كل مراكز الضغط والقوة داخل النظام وخارجه الرافضة للترشيح. ولذلك فتحت له ولأسرته التسهيلات، ومهدت لهم الوسائل للثراء العريض. ولا يتسع المجال للخوض في التفاصيل وفي زمن قياسي وبسرعة البرق أضحى حميدتي من أثرى الأثرياء في أفريقيا إن لم يكن هو أكثرهم ثراءً، وأصبح من أغنى الأغنياء في العالم واضحت أسرته ذات ثراء عريض ونفوذ واسع.
وبعد يومين من نجاح ثورة التغيير أصبح قائد الدعم السريع هو الرجل الثاني في الدولة، ودخل القصر الجمهوري، وهو في الرابعة والأربعين من عمره. ومؤهلاته العلمية لا تتيح له أن يصبح موظفاً صغيراً وتتيح له أن يصبح عاملاً في القصر، ودخل المجال العسكري مجنداً برتبة وكيل عريف وأصبح قائداً عاماً بدرجة فريق أول (خلاء) لقوات قائمة بذاتها لا تتبع ولا تخضع للقيادة العامة للقوات المسلحة الباسلة وسرحت قوات الدعم السريع، ومرحت وتمددت تمدداً أخطبوطياً، وأطلقت يدها في التسليح والتجنيد بأعداد هائلة، واضحت لها معسكرات ومقار ومكاتب وأصبح لها نصيب في قسمة السلطة، والوظائف داخل أجهزة الدولة والحكومة. واضحي الدعم السريع دولة داخل الدولة وكان في حقيقة أمره سوس داخل الدولة، واستغلته قوى الشر الأجنبية المعادية للسودان، ودبرت للحرب الانتقامية الإجرامية، ووضعت مخططها الآثم وكانت تريد القضاء على الجيش السوداني لتحل محله ميليشيا الدعم السريع مع اضعاف الدولة السودانية. وبإقامة حكومة ضعيفة تكون اطوع من بنانها وإهانة الشعب السوداني وفي نهاية المطاف انتصر الجيش الباسل وروافده والشعب السوداني الصابر الصامد المحتسب. وهزمت ميليشيا التمرد وتبقت بقايا من مجنديها الاساسيين بالاضافة لمن تم تجنيدهم في قوات الدعم السريع من المرتزقة المجرمين الأجانب ومن اللصوص والمجرمين المحليين والقتلة ومنتهكي العروض وما زال بعض أبناء السودان العاقّين لوطنهم من العملاء المرتمين في أحضان القوى الأجنبية يصبون الزيت على بقايا نار الحرب لئلا تنطفئ.
والحرب ومآسيها أظهرت تبايناً بين معادن البشر والعنصر الأصيل والمعدن النفيس يمثله جل أفراد الشعب السوداني الذين اتسموا بالمروءة والشهامة والنخوة وعرفوا بالتكافل والتراحم ومساعدة المحتاجين مع مساهمتهم في العمل الطوعي في صيانة وترميم المرافق الخدمية. وان المغتربين السودانيين كلهم وبلا استثناء كانت أياديهم بيضاء ومواقفهم نبيلة في مساعدة أهلهم وأسرهم الممتدة والمساهمة في العمل الخيري والخدمي بمناطقهم. والعنصر الخبيث والمعدن الخسيس يتمثل في الذين انعدمت عندهم المروءة والنخوة والشهامة مع عدم إحساسهم بما جري؛ لابناء وطنهم من تشريد للملايين الذين اضطروا للنزوح داخل القطر وخارجه مع قتل وتعذيب للأبرياء ونهب عرباتهم وأموالهم وممتلكاتهم مع الاغتصاب القسري بطريقة وحشية للطاهرات العفيفات. مع تدمير كثير من المؤسسات والبنيات الأساسية. وهؤلاء الذين انعدم عندهم الحس الإنساني والوطني يعيشون في ترف ورغد من العيش خارج القطر وتفكيرهم محصور فقط في كيفية الوصول لكراسي السلطة واتخاذ ما تقوم به الميليشيا المتمردة أداة فقط للوصول لمبتغاهم.. وفي ظل الحرب وذيولها وآثارها فإن الوطن لا يحتمل شداً وجذباً وصراعاً حول السلطة. وتتمتع السلطة الحاكمة الحالية بشرعية الأمر الواقع التي أملتها وفرضتها ظروف الحرب وملابساتها وهي شرعية معترف بها دولياً ومحلياً وتقديراً للتحديات والتعقيدات التي تمر بها البلاد، يمكن مؤازرة ومساندة السلطة لتنفيذ برنامج وطني واضح المعالم وحتى الآن تسير الأمور سيرها الطبيعي العادي حتى الوصول لبر الأمان .وإذا حدث لا قدر الله فساد وانتهاكات لحقوق الإنسان داخل المعتقلات للمخالفين في الرأي دون أن يخربوا أو يخلوا بالأمن القومي ومصالح البلاد العليا ،وإذا ظهرت أية ديكتاتورية قمعية ،وهذا مستبعد للان– فان سلاح تسقط بس — متاح وسهل التنفيذ.
وإذا سارت الأمور سيرها العادي فإن المساندة والمؤازرة واجبة حتى تجتاز البلاد هذه المرحلة الانتقالية الحرجة. ويمكن أخذ الدروس والعبر من رواندا وفق روشتة معالجاتها المشار إليها آنفاً. ونأمل أن ينفتح السيد الرئيس البرهان ومن معه على الشعب في لقاءات دورية مفتوحة وصريحة في قاعات فسيحة وطرح قضايا محددة في كل لقاء للوقوف على نبض الشارع السوداني العريض.