هدية للمُرهَقين والمُراهِقين

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

هدية للمُرهَقين والمُراهِقين

1

أحد ضُباط الشرطة وكان صاحب دين والتزام ومهنية، قد أبلغوه يوماً بأنهم وجدوا طفلاً مُلقى في لُفافة في قلب كوم من الأوساخ على أطراف المدينة. هب منزعجاً ووجد طفلاً بريء الملامح ما زال بضاً وقد فارقت روحه جسده البريء وغادر الآثمين الموقع سِراعاً.
بدأت التحقيقات وقد بكي سعادتو بُكاء مراً وظل يردد الآية وقد أبكى القمندانية كلها وقد حفظ الناس الآية الكريمة التي تجلد ليل نهار المجرمين الذين يتدثرون بالشرك والقتل والزنا والعياذ بالله قال تعالى{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا}
وقد فصل ابن القيم الجوزية تلميذ ابن تيمية هذه القيم التي تدعو للآخرة وتتجاوز وهن الدنيا بقوله:
أصول المعاصي كلها، كبارها وصغارها، ثلاثة:
تعلق القلب بغير الله، وطاعة القوة الغضبية، والقوة الشهوانية، وهي الشرك والظلم والفواحش، فغاية التعلق بغير الله شرك وأن يُدعى معه إله آخر، وغاية طاعة القوة الغضبية القتل، وغاية القوة الشهوانية الزنا، ولهذا جمع الله سبحانه بين الثلاثة في قوله {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ}

2
وقد ظننا في هذا الزمان البائس أن الزيارة تكفي برسالة واتس آب أو مهاتفه عجولة أو اتصال ماسنجر أو (لايك )على عبارة وننسى أن الحضور بالروح والجسد والهدية والاستهلال والبِشر والبِشارة هي التي تدخل الجنة وهي التي تحدث عنها المصطفى في حديثه هذا قال صلى الله عليه وسلم (يقول الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيّ والمتباذلين فيّ والمتزاورين فيّ، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي). وقال صلى الله عليه وسلم: (من عاد مريضا أو زار أخا نادى مناد أن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا) . وقيل: المحبة شجرة أصلها الزيارة.
قال الشاعر:
زر من تحبّ وإن شطّت بك الدار
وحال من دونه حجب وأستار
لا يمنعنّك بعد من زيارته
إن المحبّ لمن يهواه زوّار

3
الأخ البروف كامل إدريس لو وجدت كفاءة بهذه المواصفات (فافصل من طرف) وسوف تخرج الجماهير تأييداً، ومما وجدته في هذا الباب
أن رجلاً أثنى رجل على رجل، فقال: هو أفصح أهل زمانه إذا حدّث، وأحسنهم استماعا إذا حُدّث وأمسكهم عن المُلاحاة إذا خولف، يعطي صديقه النافلة ولا يسأله الفريضة، له نفس عن الفحشاء محصورة وعلى المعالي مقصورة كالذهب الإبريز الذي يعز كل أوان والشمس المنيرة التي لا تخفى بكل مكان، هو النجم المضيء للحيران، والمنهل البارد العذب للعطشان.

4
من أوقع وأصدق الكلمات في السياسية ما قرأته للعالم والمُحدث والخطيب المصري الراحل عبدالحميد كشك، كلمات أرجو أن تُكتب بكل اللغات وتُعلق في مداخل هيئة الأمم المتحدة قال عليه الرحمة بطريقة ما قل ودل:
(إذا احتكمت دولتان صغيرتان إلى هيئة الأمم المتحدة ضاعت الدولتان الصغيرتان معاً، وإذا احتكمت دولة صغيرة ودولة كبيرة إلى هيئة الأمم المتحدة ضاعت الدولة الصغيرة، أما إذا احتكمت دولتان كبيرتان إلى هيئة الأمم المتحدة ضاعت الأمم المتحدة نفسها).

5
الزعيم الصحفي والمراسل الحربي في جيش كتشنر ونستون تشرشل الذي قاد بريطانيا بانتصارها في الحرب العالمية الثانية كافأه الأنجليز بإسقاطه في الانتخابات، ومن كراماته أن كتب حرب النهر وكان شاهداً على مجزرة كرري، فقال في حقها الكثيرمن الكلمات الصادقات.
يُحكى عن تشرشل أنه قال :
رأيت وأنا أسير في أحد المقابر ضريحا كتب على شاهده هنا يرقد الزعيم السياسي والرجل الصادق، فتعجبت كيف يدفن الاثنان في قبر واحد.

6
من أصدق عبارات أهل السودان عبارة (سمح العافية، ويديك العافية) والعافية لباس قدسي لا ندرك أهمية وقيمته إلا حين يصطادنا المرض وفي هذا الباب قيل:
أن قبيصة بن ذؤيب: كنا نسمع نداء عبد الملك بن مروان من وراء الحجرة في مرضه هاتفاً : يا أهل النعم لا تستقلوا شيئا من النعم مع العافية. ويقال: البحر لا جوار له، والملك لا صديق له، والعافية لا ثمن لها.
ويقال: صحة الجسم أوفر القسم. وذكر بعضهم العافية فقال: وأي وطاءٍ وأي غطاءٍ وأي عطاءٍ.
قال ابن الرومي:
إذا ما كساك الدهر سربال صحة
ولم تخل من قوت يحلّ ويقرب
فلا تغبطن أهل الكثير فإنّما
على قدر ما يعطيهم الدهر يسلب

7
البهاء زهير شاعر من العهد المملوكي كان رقيق الحاشية لطيف المفرادات، وكان كاتِباً لأحد الأمراء الحاكمين، وكنا نتسلى في أيام الطلب في كلية الآداب بشعره الذي يصلح للحفظ والتدبر والمنادمة.
ومن أبياته التي كنا نحفظها ونحتفظ بها قوله:
إذا جنّ ليلي هام قلبي بذكركم
أنوح كما ناح الحمام المُطوّق
وفوقي سحاب يمطر الهمّ والأسى
وتحتي بحار بالجوى تتدفّق
سلوا أمّ عمرو كيف بات أسيرها
تفكّ الأسارى دونه وهو موثق
فلا أنا مقتول ففي القتل راحة
ولا أنا ممنون عليه فيعتق