صلاح دندراوي يكتب: الجزيرة.. عيد بطعم آخر

نقطة ضوء

صلاح دندراوي

الجزيرة.. عيد بطعم آخر

 

خلافا لقول الشاعر الذي يتحسر على أوضاعه مع قدوم العيد، وهو يردد في شطر بيته:
عيد بأي حال عدت يا عيد
بما مضى أم لأمر فيك تجديد
فقد جاء عيد هذا العام على إنسان ولاية الجزيرة بطعم مختلف، وهو الذي قضى الأعياد السابقة مشردا بعيدا عن الديار والأهل، فكان العيد لهذا العام مغايرا، وذو طعم لم يحسه في الأعياد التي كانت الجزيرة خارج التغطية تحت قبضة المليشيا.
نعم، قد تكون هناك أحزان كثيرة تفجرت لفراق كثير من الأعزاء والأحباب الذين مضوا إلى الله تعالى على يد هؤلاء الأوغاد، إلا أنها إرادة المولى وأقداره في أن يلاقوا الله وفق تلك الوجهة، ونحسب أنهم بإذن الله من الشهداء.
كان العيد ذا طعم، والجيران في الأحياء طوافون بعضهم على بعض، والأهل والأقارب، بعد أن حرموا من هذه النعم أبان الأعياد الماضية بفعل الظرف الذي فرضته الحرب.
وكان شهر رمضان المعظم قد هيأ لتلك الفرحة وذاك التلاقي، حيث كانت التجمعات خارج الديار يتناولون الإفطار في مجموعات، يسترجعون من خلالها ذاك الزمان الجميل، ويلتقون يوميا في ساعة معينة، يجملون تلك المجالس بذاك التلاقي.
إنه الإنسان السوداني، ذاك الكينون الذي لا يجد نفسه إلا مع إخوته وأهله وجيرانه، حيث معهم تزدان المجالس، وترفرف السعادة، وتتعالى الضحكات، ويعم السرور، وهذا ما افتقده إنسان السودان في كثير من المناطق، منها الجزيرة، ليعود ذاك الألق القديم.
نعم، قد يكون الفنان محقا وهو يردد:
عدت يا عيد بدون زهور
وين سمرنا وين البدور
غابوا عنا
لافتقاد الكثيرين منا لبعض الذين كانوا يجملون مجالسنا، سواء بالغياب الأبدي الذي كان الموت حاضرا، أو بالارتحال لموقع آخر، ونحن نرى الأحياء من أحبتنا الذين فرق بيننا وبينهم القدر قد لاذوا بولايات أخر، أو قد تكون تلقفتهم الموانئ والمطارات الخارجية، وحتما سيعودون بعد أن يتملكهم الحنين…
لذا يمكن أن نقول إن العيد جاء طيبا، وقد تجلى ذلك في عودة التزاحم في الأسواق، وشراء أشياء العيد من ملابس للأطفال وألعاب، بل وعودة الخبائز بكل أشكالها، للحد الذي يكاد يجزم المرء بأن الجزيرة لم يكن بها حرب أو أهلها مشردون.
وإن كان الفضل، بعد الله، يعود لحكومة الولاية، والتي استطاعت في زمن وجيز أن تعيد الحياة للولاية، وتهيئ الظروف، عبر توفير كثير من الخدمات الضرورية، كالكهرباء، والمياه، والصحة، والتعليم، وكثير من الضروريات التي أسهمت في عودة الحياة إلى طبيعتها، ليكتمل الدفق وتتهادى أمواج الحياة بانسياب معهود.