
عطبرة .. حين كانت السكة حديد تُعلّمنا معنى الوطن
بقلم: بروفيسور أبشر حسين
منذ أن بدأ الوعي يتفتح في دواخلنا في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، لم تكن عطبرة مجرد مدينة نزورها، بل كانت وعدًا ننتظره كل عام. كنا نعد الأيام حتى مطلع مارس، لنشد الرحال إليها، كأننا نعود إلى جزءٍ من أرواحنا تركناه هناك.
في عطبرة، تعلّمنا أن للأماكن قلوبًا… وكان قلبها ينبض في ورش السكة حديد.
كنا نمضي مع الفجر، نمرّ تحت الكبري، حيث تعزف موسيقى البوليس نغمتها الصباحية، فتوقظ فينا شيئًا لا نعرف اسمه، ثم نواصل السير إلى ورش السكة حديد، حيث يعمل جدّي ود الحسين (الضيف). هناك، لم تكن الآلات مجرد حديد، بل كانت كائنات حيّة تتنفس مع العمال، وتتحرك بإيقاعهم، وتستجيب لأيديهم التي تعرف أسرارها.
كانت الورش عالمًا متكاملًا: الوابورات، الخرط، التشكيل، صيانة العربات، الكهرباء، الإشارات، الحدادة، اللحام، الدهان… كأنها مدينة داخل مدينة، أو وطن صغير تُدار فيه الحياة بدقة وانضباط، وبمحبة أيضًا.
لكن عطبرة لم تكن حديدًا فقط… كانت فكرة. كانت منارة ثقافية، ومشعل وعي، ومهد حركة عمالية صنعت تاريخها بأسماء لا تُنسى، مثل الشفيع أحمد الشيخ، وسليمان موسى، وصلاح بشرى، وعباس الخضر، وغيرهم من الذين جعلوا من العمل كرامة، ومن النضال طريقًا للحياة.
في مكتبة عوض الله دبورة، كنا نكتشف العالم، وبين صفحات المجلات والجرائد المصرية، كنا نطل على آفاق أوسع، ونحلم بأكثر مما نرى.
أما الفن، فكان له حضوره الدافئ… مع الرشيد مهدي وبدايات السينما السودانية (آمال وأحلام)، ومع ليالي سينما الجمهورية، حيث كانت الصورة تتحرك، ومعها تتحرك أحلامنا الصغيرة.
وللحياة طعمها الخاص: طعم الآيس كريم في حر الظهيرة، وطعم الفاكهة في “جنة الفواكه”، وأسماء الأماكن والناس التي لا تُنسى: أندية النسر، الأمير، الأمل والشبيبة، ناس عوض الحاج، شوقي عبد العزيز، زغبير، الطيب سند، هاشم العمدة، عبد الله موسى، ومحمود اللبودي، والكثير…
وإذا مرّ ذكر عطبرة، لا بد أن يحضر صوت حسن خليفة العطبراوي، ذلك الصوت الذي لم يكن غناءً فقط، بل كان موقفًا… كان وطنًا يُغنّى.
وفي تفاصيل الأيام: عصريات التنس في نادي الشبيبة، الفول عند عبدو اليماني، صوت المدفعية، صفارة الصباح، ثم ذلك المشهد الذي لا يُنسى… آلاف الدراجات تنساب مع خروج العمال، كأنها نهر من الحياة.
وكانت الذاكرة، ونحن صغار، تتزين بوجوه محببة… مكة بت عتاك، وحليمة ماضي، وغيرهم من الذين صنعوا دفء المكان دون أن يكتبوا أسماءهم في كتاب.
لم تكن عطبرة مجرد محطة في حياتنا، كانت مدرسةً علّمتنا أن العمل شرف، وأن الثقافة نور، وأن الوطن يمكن أن يُبنى بعرق البسطاء.
كانت عطبرة… وما زالت… قطعةً من القلب.