قول علي قول

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

قول علي قول

1

أهل السودان يبحثون هذه الأيام عن القوة والقُوت، هم مجبولون على الصبر والزهد في الزاد إلا اللٌقيمات وشعب مثل هذا لا خوف عليه من الاستبداد والعمالة والخضوع، وأدباء السودان كثيراً ما يحفظون المقولات التي تدُل على الترفع عند الحاجة والزهد عند الفقر وكان الدكتور الحبر يوسف نور الدائم يحفظ الكثير من هذا الباب ومنها:

أنه قيل لأعرابية: من أين معاشكم؟ قالت: لو لم نعش إلا من حيث نعلم لم نعش.
وقال أعرابي: أحسن الأحوال حال يغبطك بها من دونك ولا يحقرك معها من فوقك.
قال المعري:

إذا كنت تبغي العيش فابغ توسّطا
فعند التناهي يقصر المتطاول
توقّى البدور النقص وهي أهلّة
ويدركها النقصان وهي كوامل

2

يقول أرسطو:
الظلم من طبع النفوس ، وإنما يصدها عن ذلك أحد علتين :
إما علة دينية لخوف معاد ، أو علة سياسية لخوف سيف.
أما العرب فقد تجاوزوا ببلاغتهم وتجاربهم هذا اليوناني إذ يقول شاعرهم الجدير بالقراءة والذي ملأ الدنيا وشغل الناس المتنبي
والظلم.

3

أصدق ما في حكم لقمان الحكيم أنه إفريقي ويبدو أن حرارة الشموس في خط الإستواء قد وَلَدت فيه حرارة القلب والإيمان، له روشته شهيرة في الفقر أوصى بها إبنه إذ يقول:
يا بني أكلت الحنظل وذقت الصبر، فلم أر شيئا أمر من الفقر، فإن افتقرت فلا تحدث به الناس كيلا ينتقصوك، ولكن اسأل الله تعالى من فضله، فمن ذا الذي سأل الله فلم يعطه أو دعاه فلم يجبه أو تضرع إليه فلم يكشف ما به.

4

في كثير من الأحيان الصفات والنعوت تظلم حامِليها وكثير من العامة يظنون أن السفاح مؤسس دولة العباسيين والخليفة الأول فيها سمي السفاح لفتكه، أما العالمون ببواطن الأمور والتاريخ يدركون مكمن هذا اللقب ورغم أنه كان مجاهداً في الحق لكنه نال صفة السفاح لأنه كان كريماً (وسكينه حارة) إكراماً لضيوفه وعلى كرمه فقد كان عالِماً بالشعر مثل شقيقه الرشيد.
دخل عليه يوماً الشاعر أبو نخيلة مادحاً فقال له السفاح: ما عسيت أن تقول بعد قولك لمسلمة بن عبدالملك بن مروان:

أمسلمة يا فخر كلّ خليفة
ويا فارس الدنيا ويا جبل الأرض
شكرتك إنّ الشكر دين على الفتى
وما كلّ من أوليته نعمة يقضي
وأحييت لي ذكري وما كان خاملا
ولكنّ بعض الذكر أنبه من بعض

وسمعه الرشيد فقال: هكذا يكون شعر الأشراف مدح صاحبه، ولم يضع نفسه.

5

قال عثمان بن دراج الطفيلي إن أقسى ما سمعته في هجاءنا لم يكن من غريب فكان من ابني وفلذة كبدي وكان ذلك أقسي ما سمعته من الهجاء، فقيل له كيف ذلك؟ فقال:
مرت بنا جنازة يوما ومعي ابني ومع الجنازة امرأة تبكي وتقول: الآن يذهبون بك إلى بيت لا فراش فيه، ولا غطاء، ولا وطاء ولا خبز ولا ماء، فقال ابني: يا أبت إلى بيتنا والله يذهبون.

6

يبدو أن الشعر بإغواءه يأتي من أهل اليقظة والسُكارى ومن هذا فقد قرأت أنه سُمِعَ ابن المبارك سكران يغني هذا البيت:

أذلّني الهوى فأنا الذليل
وليس إلى الذي أهوى سبيل
قال: فأخرج دواة وقرطاساً، وكتب البيت، فقيل له:
أتكتب بيت شعر سمعته من رجل سكران ! فقال: أما سمعتم المثل: رب جوهرة في مزبلة.

7

صفي الدين الحلي يمتاز شعره مثل عبدالرحمن بالخضرة والأزاهير والينابيع ، فأرجو أن يحفظه أهل السودان بالاقتداء مدخلاً لرفع شعار السودان الأخضر، وحرام علينا أن نملك كل هذه الأراضي والمياه وليس في مقدمة قُرانا حديقة ولا نافورة ولا عصافير .
قال صفي الدين الحلي في قصيدته الشهيرة العامرة بالاخضرار:

خَلَعَ لرَبيعُ عَلى غُصونِ البانِ
حُلَلاً فَواضِلُها عَلى الكُثبانِ
وَنَمَت فُروعُ الدَوحِ حَتّى صافَحَت
كَفَلَ الكَثيبِ ذَوائِبُ الأَغصانِ
وَتَتَوَّجَت هامُ الغُصونِ وَضَرَّجَت
خَدَّ الرِياضِ شَقائِقُ النُعمانِ
وَتَنَوَّعَت بُسطُ الرِياضِ فَزَهرُها
مُتَبايِنُ الأَشكالِ وَالأَلوانِ
مِن أَبيَضٍ يَقَقٍ وَأَصفَرَ فاقِعٍ
أَو أَزرَقٍ صافٍ وَأَحمَرَ قاني
وَالظِلُّ يَسرِقُ في الخَمائِلِ خَطوَهُ
وَالغُصنُ يَخطِرُ خِطرَةَ النَشوانِ
وَكَأَنَّما الأَغصانُ سوقُ رَواقِصٍ
قَد قُيَّدَت بِسَلاسِلِ الرَيحانِ
وَالشَمسُ تَنظُرُ مِن خِلالِ فُروعِها
نَحوَ الحَدائِقِ نَظرَةَ الغَيرانِ
وَالطَلعُ في خَلَلِ الكِمامِ كَأَنَّهُ
حُلَلٌ تَفَتَّقُ عَن نُحورِ غَوانِ
وَالأَرضُ تَعجِبُ كَيفَ تَضحَك وَالحَيا
يَبكي بِدَمعٍ دائِمِ الهَمَلانِ
حَتّى إِذا اِفتَرَّت مَباسِمُ زَهرِها
وَبَكى السَحابُ بِمَدمَعٍ هَتّانِ
ظَلَّت حَدائِقُهُ تُعاتِبُ جَونَهُ
فَأَجابَ مُعتَذِراً بِغَيرِ لِسانِ
طَفَحَ السُرورُ عَلَيَّ حَتّى إِنَّهُ
مِن عِظمِ ما قَد سَرَّني أَبكاني
فَاِصرِف هُمومَكَ بِالرَبيعِ وَفَصلِهِ
إِنَّ الرَبيعَ هوَ الشَبابُ الثاني.