رهق الفلاسفة في إدراك الحقيقة

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

رهق الفلاسفة في إدراك الحقيقة

مدخل
كنا في قسم الفلسفة نطلق على المفكرين والفلاسفة الذين توصلوا للحقيقة بعد رهق ونبش عميق في أصول الأشياء، كنا نسميهم بأهل الكهف الجدد، فلم نقرأ في أي تفسيرأن أولئك الفتية الذين آمنوا بربهم بجهدهم الخاص وزادهم الله هدى لم نجد لهم رسول أونبي إلا أن العقل والفطرة والرشد قادوهم إلى التوحيد.
صحيح أن الإسلام من رحمته على العالمين قد اختصر الكثير من الرهق على الناس ودلهم على التوحيد والإيمان بالعقل والقلب والفطرة السليمة والتأمل في الأنفس والآفاق، وهذا لا يمنع بأن نغوص في التجارب الإنسانية المختلفة لنتعلم من كبار المفكرين والفلاسفة في الحضارات الاخري ما وصلوا إليه من معرفة وحكمة وليس هذا الجهد من أنفسهم فقط ولكنه من الله منذ عالم الذر وصدق الله العظيم حي قال {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ }

1
سقراط الذي شرب السم من أجل الحقيقة والصدق كانت له نظرات موحية عن الحياة فقد كان يعتبر أن حياة الأفراد إن كانت بلا هدف كأنها لم تكُن لا تستحق العيش.
وفي إحدى عباراته البصمة يقول: (أعلم أنني لا أعرف شيئًا ،وإن الحياة غير المدروسة لا تستحق العيش).

2
أفلاطون تلميذ سقراط له إعتداد راسخ بالحقيقة والمسامحة، فقد كان يرى أن طيب المعشر من النفس والآخرين هي المدخل لمعرفة كنه الحياة وأنها بوابة الحقيقة يقول إفلاطون:
(يجب أن تذهب إلى الحقيقة بكل روحك والرجل الصالح هو الذي يحتمل الأذى، لكنه لا يرتكبه).

3
كنا نقول هازئين إن ديكارت فَكَرَ أو لم يُفكر فهو موجود، ولكنه كان عليه الرحمة يرى أن التفكر والفكرة هي البداية الحقيقة لمعرفة الجسد والروح ومن هنا تبدأ المسيرة والعبارة مشهورة لدى الخاصة والعامة:
(أنا أفكر، إذن أنا موجود).

4
من العبارات التي يستقوي بها الساسة لنيتشه عبارته :إن الذي لا يقتلني يقويني ولكنها في الأصل وردت كالتالي:
(ما لا يقتلني يجعلني أقوى).

5
أما كانط فيلسوف الأخلاق العصية فيقول: (إن التجربة بدون نظرية هي تجربة عمياء).

وهي نصيحة باذخة للسياسيين والأحزاب التي تقدم على الحكم بلا نظرية ولا برنامج وتمارس الأداء خبط عشواء حينها يخسر الشعب الكثير ويهربون هم بما سرقوه.

6
وأتي زمان عزيزي هيرالقيطس ليس فيه إنسان ولا خطوات عابرة للنهر وليس هنالك نهر، والمتاح فقط من النُهيرات قد أفسدته المخلفات ، يقول هيراقليطس:( لا يمكن للمرء أن يخطو مرتين في نفس النهر لأن مياه جديدة تغمره) .

7
ومن العبارات التي تنفع أن تُخط بأحرف من ذهب على واجهات المدن عبارة الحكيم الصيني كونفوشيوس:
(أن تضيء شمعة صغيرة خير لك من أن تنفق عمرك تلعن الظلام) .

8
نُقاد الفلسفة الكِبار يقولون: بأن من غير الرُسُل فإن أرسطو يعد أخضم عقل إنساني إلى الآن وله مقولة تعد مدخلاً للدرس الأول في الكليات الحربية ومراكز التدريب العسكري فهو صاحب العبارة الأشهر:
(الشجاعة أهم الصفات الإنسانية؛ لأنّها الصفة التي تضمن باقي الصفات)

9
يقول الفيلسوف الألماني الشهيرآرثر شوبنهاور:
(الحياة تتأرجح كالبندول بين الألم والملل)
وكنا نُعلق عليها ونقول: ليت شوبنهاورقال: ليتها تتأرجح ما بين الألم والأمل.

10
يقول الأديب الفليلسوف فيودور دوستويفسكي في أدبياته المغمورة بالكآبة واليأس:
‏(كلما ازداد فهمك لهذا العالم، ازددتَ تدميرًا لذاتك) ولهذا يكون الحمقى سعداء، بينما يعيش الأذكياء في عزلة.

11
إن التأمل العميق في الأشخاص والأشياء والأرض والسماوات يدعو للرِفعة والتحليق بعيداً عن السفح ولو نظرياً، فقد كان
بطليموس يقول:
(تأمل السماء: عندما أتتبع مسارات الأجرام السماوية، لا أعود ألمس الأرض بقدمي).

12
كثير من الناس يعتقدون أن الفكر هو الذي الذي يرتبط بالروح والعقل والقلب، ولكنهم لا يدركون بأن الجسد المهيض والمريض بالجوع أو بالتخمة يمنع التأمل والتفكير الصحيح ولذلك جعلنا نصحية جالينوس في الطعام فلسفة يقول جالينوس المفكر الطبيب:
(سبب الوقاية من المرض ،لأني لم أجمع بين طعامين رديئين، ولم أدخل طعاماً على طعام، ولم أحبس في المعدة طعاماً تأذيت منه)
وهنالك رد شافي وإضافي من الشافعي إذ يقول:
ثلاثٌ هنَّ مَهلَكَةُ الأنام
وداعيةُ الصحيح إلى السَّقامِ
دوامُ مُدامَةٍ، ودوامُ وَطْءٍ
وإدخالُ الطعام على الطعامِ

حاشية:
وكان إيليا أبو ماضي صاحب نظرة ومدرسة في الفلسفة العربية والإسلامية وغوص في فلسفة الفِرنجة وله في الطلاسم فلسفة خاصة قائمة على اللاأدرية واللاتيقُن إذا يقول في قصيدته الطلاسم دلالة على هذا المنهج:

قَد سَأَلتُ البَحرَ يوماً: هَل أَنا يا بَحرُ مِنكا؟
هَل صَحيحٌ ما رَواهُ بعضُهُم عَنّي وَعنكَا؟
أَم تُرى ما زَعَموا زُوراً وَبُهتاناً وَإفكا؟
ضَحِكَت أَمواجُهُ مِنّي وَقالَت: لَستُ أَدري

أَيُّها البَحرُ أَتَدري كَم مَضَت أَلفٌ عَلَيكَا؟
وَهَلِ الشاطِئُ يَدري أَنَّهُ جاثٍ لَدَيكَا؟
وَهَلِ الأَنهارُ تَدري أَنَّها مِنكَ إِلَيكَا؟
ما الَّذي الأَمواجُ قالَت حينَ ثارَت؟ لَستُ أَدري

أَنتَ يا بَحرُ أَسيرٌ، آهِ ما أَعظَمَ أَسرَك!
أَنتَ مِثلي أَيُّها الجَبّارُ لا تَملِكُ أَمرَك
أَشبَهَت حالُكَ حالي وَحَكى عُذرِيَ عُذرَك
فَمَتى أَنجو مِنَ الأَسرِ وَتَنجو؟ لَستُ أَدري