د. حسن محمد صالح يكتب: الرئيس ترامب وخطاب التصعيد

موقف

د. حسن محمد صالح

الرئيس ترامب وخطاب التصعيد.

 

انتظر العالم خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي ألقاه عند الرابعة فجرا الخميس ٢ أبريل ٢٠٢٦م بتوقيت مكة المكرمة. وجاء الخطاب تحت عنوان: خطاب للشعب أو الأمة الأمريكية، وسط توقعات المحللين السياسيين بأن ترامب سوف يعلن إنهاء الحرب ضد إيران من جانب واحد نظرًا للضغوط التي يواجهها من قبل الرأي العام الأمريكي الذي خرج في مظاهرات واحتجاجات مليونية ضد حربه على إيران. أما الضغوط الخارجية فقد حدثت من دول ومجتمعات تضررت من الحرب في اقتصادها ومعاشها.
وما حدث من اتهامات تتعلق بحقوق الإنسان والمدنيين الذين قضوا في إيران وتجاوز عددهم خمسة آلاف، بينهم نساء وأطفال.
أكثر من روج لوقف الحرب في خطاب الرئيس الأمريكي التاريخي هو رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو لحاجة في نفسه ولتضليل الرأي العام في الداخل الإسرائيلي، وهو يعلم أن وقف الحرب لن يحدث ولكنه تبادل أدوار بين ترامب وحليفه نتنياهو.
جاءت التوقعات من قبل بعض المراقبين لقرارات الرئيس ترامب بفتح مضيق هرمز الذي قالت إيران إنه مغلق فقط أمام السفن الأمريكية والإسرائيلية ومفتوح أمام البواخر التابعة للدول الصديقة للجمهورية الإسلامية الإيرانية بأمر من الحرس الثوري الإيراني.
الرئيس ترامب زاد من حدة التكهنات لكونه لم ينتظر حتى يلقي خطابه ويقول للعالم ما يشاء من قول ويجيب الإجابة الشافية على أسئلة سكان الكرة الأرضية والمشتغلين منهم بالحرب على إيران، والتي أثرت على إنتاج وتدفقات النفط والغاز الطبيعي على الدول الأوروبية ودول العالم الأخرى.
مضى الرئيس الأمريكي أكثر من ذلك وقدم عددًا من التغريدات والتصريحات الإعلامية السابقة لخطابه، وهي تصريحات مربكة تركزت في مجملها حول القادة الإيرانيين الجدد، بما فيهم المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، وتحدث بما يشبه الغزل حول قدرات القادة الإيرانيين الذين خلفوا المرشد العام السابق، وعقليتهم وذكائهم وواقعيتهم.
أعلن ترامب في تصريحاته عن موافقة الجانب الإيراني على قبول وقف إطلاق النار بناءً على الشروط الأمريكية، وهي في مجملها خمسة عشر شرطًا اعتبرتها إيران مجحفة ولا يمكن القبول بها أو حتى النظر إليها، وقالوا إنهم يريدون وقفًا عادلًا ودائمًا للحرب وليس وقفًا لإطلاق النار تعود من بعده المعارك أكثر ضراوة ثم فتكًا بإيران وشعبها.
القارة العجوز، أوروبا، كانت اللبانة التي لاكها ترامب كثيرًا، وتحدث عن ضعف حلف شمال الأطلسي (الناتو) وفشله وهوانه على الناس، حتى ظن بعض المحللين أن الرئيس الأمريكي سوف يعلن في خطابه خروج الولايات المتحدة الأمريكية من التحالف العسكري مع أوروبا وسحب التمويل المالي عنهم وتجريدهم من السلاح الأمريكي المتقدم، لكون الولايات المتحدة هي التي تسلح الحلف وتساهم بأكثر من ٧٠% من ميزانيته.
الرئيس ترامب اعتبر رفض الدول الأوروبية المشاركة في الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران تمردًا على بلاده العظمى لن يقبله من حلفائه الأوروبيين، ووصل التنمر من جانب ترامب ضد الرئيس الفرنسي ماكرون قوله: إن زوجة ماكرون لا تحترمه.
الأوروبيون أعلنوا رفضهم للحرب بما لا يحتمل التأويل، خاصة إسبانيا وإيطاليا وألمانيا وفرنسا، قائلين إن الحرب لا تخصهم، والرئيس ترامب لم يشاور حلفاءه الأوروبيين في دخول الحرب ضد إيران ابتداءً.
خطاب الرئيس الأمريكي الذي استمع إليه العالم وشاهده جاء وفقًا لما أراد حليفه في الحرب على إيران، وجاء مباعدًا لشقة الخلاف بينه وبين الناتو، وخيب آمال حلفائه في الشرق الأوسط، وذلك لحديثه عن تدمير القدرة النووية والصاروخية لإيران، وإعلانه أن التدمير الكامل للدولة الإيرانية يتطلب أسبوعين من الآن، وتعهد بأن يعيد إيران إلى العصر الحجري، ولم يتحدث عن إسقاط النظام الإيراني بما يفسر نهج العقوبة الجماعية ضد الشعب الإيراني بضرب البنية التحتية من كهرباء ومياه ومطارات ومستشفيات ومدارس وجامعات وجسور وغيرها.
الرئيس الأمريكي أعلن إنه لا شأن له بمضيق هرمز، ومن أراد الحصول على النفط عليه الذهاب إلى المضيق وفتحه، وهو أمر لافت للنظر ورسالة للأوروبيين على وجه الخصوص لعدم مشاركتهم في الحرب كما ذكرنا آنفًا.
أما حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط فعليهم أن يدفعوا الأموال مقابل حمايتهم من طهران، كما قال الرئيس ترامب في خطابه للأمة الأمريكية.
الخطاب أعاد الحديث من جديد حول أهداف الولايات المتحدة الأمريكية من الحرب، فبعد أن كان الهدف منها القضاء على القدرات النووية لإيران، تحولت إلى إسقاط النظام من خلال ثورة شعبية في إيران، ثم تحولت إلى فتح مضيق هرمز، وأخيرًا إعادة إيران إلى دولة بدائية كما حدث مع العراق إبان غزوها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في عام ٢٠٠٣م، وقتل رئيسها وحل جيشها النظامي.
قال ترامب صراحة إنه يريد تسويق النفط الأمريكي الذي أعلن عن إنتاجه بكميات كبيرة، كما أعلن أن الآثار السالبة لإغلاق مضيق هرمز، وعلى رأسها ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، سوف تزول قريبًا، واصفًا إياها بالأمر الطارئ والمؤقت.
بخطاب الرئيس الأمريكي هذا انتهت لغة الدبلوماسية والتفاوض التي كانت تسود على حياء، وصارت لغة البندقية هي السائدة الآن، وما يمكن أن يقال حاليًا إن الحرب سجال بين الجانبين، ولا أحد يعلم نهايتها لما في صدر كل طرف من نوايا وكنانات يريد نشرها وسهام يطلقها، ومن يكسب أخيرًا يضحك أخيرًا، ومن الذي يعود إلى العصر الحجري، ومن يعود إلينا وراء البحار من حيث يبعد كما بعدت ثمود أو صمود بتاعة قحط السودانية، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.