
للنساء فقط والقليل من الرجال
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
للنساء فقط والقليل من الرجال
عندما لاحظت الحكومة الماليزية تصاعد نِسب الطلاق والذي وصل إلى مراحل تكاد تكون كارثية، قررت الحكومة إلزام أي عروسين على أبواب الزواج أن يدرسان كورس في فن العلاقة الزوجية والإشكالات المُصاحبة لها على يد مجموعة من العلماء المُميزين والدعاة وأصحاب التجارب من النساء والرجال، وكانت دهشة المجتمع كبيرة، إذ انخفضت نسبة الطلاق إلى حد أدنى يكاد لا يذكر رقمياً، والمجتمع السوداني للأسف لظروفه التي عاشها ومرت به يشهد حالات متلاحقة من الطلاق لأسباب شتى أهمها جهلٌ تام بأمور الدين، وفقه الارتباط وقلة التجارب المكتوبة والمسموعة والمشاهدة في هذا الركن الهام من حياة الانسان، فهل يا ترى تنتبه وزارات الشؤون الاجتماعية المركزي منها والولائي لهذه المُعضِلة التي تُهدد مستقبل بلادنا وتنحو منحى ماليزيا، والمنهج يبدأ بالنظر، والعمل يبدأ بالقول، وما أحوجنا إلى اقتداء تجارب الآخرين بأن البشرية أبداً ذات أصل واحد هي من آدم وآدم من تراب.
أُمَامة لا تنقصها إلا العُمَامَة
كنت دائماً ما أُنادي بأن يُسجٍل الرجال والنساء تجاربهم في الحياة الزوجية، وتوثيق نصائحهم، نصائح تتسم بالتجرد والصراحة والاعترافات والمآزق والحلول، لأن في قِراءة مثل هذه الأسفار يتعلم الناس، ولقد عصم الدين الناس من التجريب حيث أهداهم الهداية قولاً قبل خوض المعارك الشخصية الفاشلة، فالخمر حرام ابتداءً والفرد لا يحتاج لأن يُدمن ويدخل المصحة ليدرك أن آية التحريم لهذا السُم هي الحل. ولكن للأسف امتنع الكثير من أهل التجارب في الزواج والطلاق والتعدد والمغاضبة من كتابة مذكراتهم لحياء في السودانيين غير مبرر، فأصبح الأبناء والأحفاد لا يَجِدون مراجع تعصمهم من التجريب الأعمى ، وقد أعجبتني جداً بل أدهشتني وصية هذه المرأة العربية العاقلة الراشدة أمامة بنت الحارث وهي توصي ابنتها العروسة الملتزمة وهي تغادر إلى بيت زوجها، وهي وصية تَصلح بأن تُطبع وتُوزع على كل زوجين قبل أن يدلفا إلى صالة الزفاف.
أوصت أمامة بنت الحارث الشيباني ابنتها أم إياس عند زفافها الى عمرو بن حجر أمير كندة فقالت:
أي بنية إن الوصية لو تركت لفضل أدب تركت لذلك منك، ولكنها تذكر للغافل ومعونة للعاقل، ولو أن أمرأة أستغنت عن الزوج لغنى أبويها وشدة حاجتهما إليها كنت أغن الناس عنه، ولكن النساء للرجال خلقن، ولهن خلق الرجال.
أي بنية انك فارقت الجو الذي منه خرجت، وأخليتي العش الذي فيه درجت، إلى وكرٍ لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فاحفظي له خصالاً عشراً يكن لك ذخراً.
أما الأولى والثانية:
فالخشوع له بالقناعة، وحسن السمع له والطاعة.
وأما الثالثة والرابعة:
فالتفقد لموقع عينيه وأنفه، فلا تقع عينه منك علي قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح.
وأما الخامسة والسادسة:
فالتفقد لوقت منامه وطعامه، فإن تواتر الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة.
وأما السابعة والثامنة:
فالاحتراس بماله، والإرعاء بحشمه وعياله، وملاك الأمر في المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير.
وأما التاسعة والعاشرة:
فلا تعصين له أمراً، ولا تفشين له سراً فإنك إن خالفت أمره، أوغرت صدره، وإن أفشيت سره، لم تأمني غدره.
ثم إياك والفرح بين يديه إن كان مغتماً، والكآبة بين يديه إن كان فرحاً.
دكتوراة في الميراث
وفي فقه النساء ومعرفتهن بأمور الدين والدنيا مارواه ابن الجوزي عن هذه المرأة العجيبة وهي تؤكد ثقافة المرأة المسلمة العربية قال ابن الجوزي في الفقة والميراث :
أن امرأة كانت تعجن عجينًا، بلغها أن زوجها قد مات فرفعت يدها عنه وقالت: (هذا طعام قد صار لنا فيه شركاء) وهي بذلك
تعني الورثة.
تحالف الشكل والمضمون
تأملوا لهذا الإعرابي الخطير وهو يبدع ويجمع في الوصف ما بين الشكل والمضمون بنصيحة تَوَجّب على الناس حفظها عند الاختيار فقد سُئل أعرابي في النساء وكان ذا تجربة وعلم بهنَّ، فقال:
أفضل النساء أطولهنَّ إذا قامت، وأعظمهن إذا قعدت، وأصدقهن إذا قالت، التي إذا غضبت حلمت، وإذا ضحكت تبسمت، وإذا صنعت شيئًا جوَّدت، التي تطيع زوجها، وتلزم بيتها، العزيزة في قومها، الذليلة في نفسها، الودود الولود وكل أمرها محمود.
مي زيادةٌ وإضافةٌ وثقافة
يقول أهل الفكر والأدب والفلسفة ما أكثر النساء المُتعلِمات وما أقل النساء المثقفات ولكن على قلة المثقفات فإن في فِكرهن عُمق ودِفء وحقيقة، وأبلغ مثال لذلك الأدبية الراحلة مي زيادة التي كانت أيقونة الأدب والثقافة والصحافة، وكانت لها صالون مشهور بالقاهرة وندوة تعرف (بندوة الثلاثاء) يؤمها لفيف من المثقفين الكبار والشعراء والأدباء والمفكرين والسياسيين والعلماء ومن أبرزهم:
عباس محمود العقاد، طه حسين، أحمد شوقي (أمير الشعراء)، خليل مطران، مصطفى صادق الرافعي، إسماعيل صبري، ولي الدين يكن، وخليل شيبوب، أحمد لطفي السيد، الشيخ مصطفى عبد الرازق، الشيخ محمد عبده، وشبلي شميل، يعقوب صروف، وغيرهم من النخبة المثقفة والشوام المهاجرين إلى مصر.
كانت مي بآدبها وذوقها تُشرِف المرأة العربية وتغرى الأخريات بالقدوة والالتزام. ولدت مي زيادة في الناصرة عام 1886، أتقنت مي تسع لغات هي: العربية، والفرنسية والإنجليزية والإسبانية الإيطالية والألمانية واللاتينية واليونانية والسريانية.
أحبّت مي جبران خليل جبران على الرغم من عدم لقاءهما، حيث دامت المراسلات بينهما عشرين عاماً.
كتب عنها الكثيرون نثراً وشعراً ولكن بقيت أبيات شوقي هي الأزهى في مدحها:
أسائلُ خاطري عمّا سباني
أحُسنُ الخلقِ أم حسنُ البيانِ؟
رأيتُ تنافسَ الحُسنَينِ فيها
كأنّهما لميّةُ عاشقانِ
إذا نطقتْ صبا عقلي إليها
وإن بسَمتْ إليّ صبا جناني
وما أدري أتَبسِمُ عن حنينٍ
إليّ بقلبِها أم عن حنانِ
وإنّ شبابَها راثَ لشيبي
وما أوهى زماني من كياني
ومن أقوال مي زيادة:
(الكتاب هو المكان الوحيد في العالم الذي يمكن أن يلتقي فيه غريبان، بحميمية كاملة).
(إذا كنت كثير الأصدقاء كن سعيداً، لأنَّ ذاتك تُرتسم في ذات كلّ منهم، والنّجاح مع الصّداقة أبهر ظهوراً والإخفاق أقلّ مرارة).
نوصي الذين يريدون الاستزادة من بحر مي الطامي نوصيهم أن بالاطلاع على مؤلفاتها ومنها:
بين المد والجذر، ظلمات وأشعة، وغاية الحياة.
وبقي مَتاع المذهب
ومن الأمثال اليونانية الخالدة:
(أدب المرأة مَذَهَبُها لا ذَهَبُها).
حاشية:
أرجو إفادة الإغريق بأن الدعامة قد سرقوا ذَهَبْ المرأة السودانية وأصبح خيارها الوحيد مَذَهَبُها.
حياء الاعتراف
تعود الرجال واعتادوا أن يكتبوا في المرأة والنسيب والغزل والمديح والهجر والوصال، ولكن اعتصمت المرأة عن ذلك بحياء مغروس فيها أو لقلة موهبة. وما خالف هذا المنهج إلا أم هناء الأندلسية فقد كانت صاحبة حياء وعلم وفقه وشاعرية وأشواق، ولذلك كتبت للحبيب فلم تجرح مشاعرالأدب ولم تٌدمي أصول الأخلاق ، وأم هناء الأندلسية كان لِلقبِها حظاً وافراً من الشُهرة فهي أمَة الرحمن بنت أبي محمد عبد الحق بن عطية المحاربي، فكانت مثالاً للمرأة الأندلسية المتنورة بما تملكه من عقلٍ راجحٍ زاد من شأنها في حلقات العلم، وعُرفت أم الهناء بعذوبة شعرها وتغزلها العفيف بمن أحبَّت والحزن الخبيء الذي سكن روحها، ومثال على ذلك قولها:
جـاءَ الكتـابُ مـن الحـبيـبِ بِأنَّهُ
سَيَزُورُني فاستعبرتْ أجفاني
غَـلَـبَ السـرورُ علـيَّ حتى أنـه
من عُظمِ فَرْطِ مسرَّتي أبكاني
يا عينُ صارَ الدمعُ عندكِ عادةً
تبكـينَ من فـرَحٍ ومن أحـزانِ
فاسـتقبـلي بالبِـشْـرِ يَـوْمَ لـقـائِـهِ
وَدَعي الدمـوعَ لِلَيْلَةِ الهجران!
نَفَاسَةُ الموهبة والجوهر
في كتب التوثيق العربي في الآداب والفنون قيل أن: تماضر بنت عمرو (الخنساء) قد نزلت يوماً في سوق عكاظ وكان لبيد يتولى امتحان وإجازة الشعراء، وقد أنشدته متأخرة فاهتز طرباً بِشِعرها وقال لها:
والله لولا أنني قد أَمّرتُ في هذا العالم حسان بن ثابت (وكان آنذاك جاهلياً) لأجزتك أميرة لشعراء هذا الحَوْل.
وللخنساء قصائد عصِيات في المراثي حول شقيقها القتيل صخر الذي ظلت تبكيه طول عمرها، وقد استشهد لها أربعة من الأبناء في معارك الإسلام لم تبك واحداً فيهم وعندما عُوتِبت أنها بكت صخراً ولم تبك فلذات أكبادها قالت بلسان المؤمنة الباسلة:
والله لو أن صخراً أخي قضى فيما قضى فيه أبنائي لما بكيته، وكانت تعني أن صخراً على شجاعته مات في الجاهلية ولم يُدرك الإسلام ومن قصائدها الشهيرات في رثاءه :
أَعَينَيَّ جودا وَلا تَجمُدا
أَلا تَبكِيانِ لِصَخرِ النَدى
أَلا تَبكِيانِ الجَريءَ الجَميلَ
أَلا تَبكِيانِ الفَتى السَيِّدا
طَويلَ النِجادِ رَفيعَ العِمادِ
سادَ عَشيرَتَهُ أَمرَدا
إِذا القَومُ مَدّوا بِأَيديهِمِ
إِلى المَجدِ مَدَّ إِلَيهِ يَدا
فَنالَ الَّذي فَوقَ أَيديهِمِ
مِنَ المَجدِ ثُمَّ مَضى مُصعِدا
يُكَلِّفُهُ القَومُ ما عالُهُم
وَإِن كانَ أَصغَرَهُم مَولِدا
تَرى المَجدَ يَهوي إِلى بَيتِهِ
يَرى أَفضَلَ الكَسبِ أَن يُحمَدا
وَإِن ذُكِرَ المَجدُ أَلفَيتَهُ
تَأَزَّرَ بِالمَجدِ ثُمَّ اِرتَدى