
محجوب أبوالقاسم يكتب: الوطن يستغيث
*محجوب أبوالقاسم*
*يكتب*
*الوطن يستغيث*
لم يعد الحنين إلى الوطن مجرد شعور عابر بل صار وجع يومي يعتصر قلوب السودانيين في المنافي فكل يوم تتسارع نبضات العودة وتشتد الرغبة في احتضان الأرض التي أُكرهوا على مغادرتها تحت وطأة حرب شرسة فرضتها مليشيا ابوظبي الباغية دفعت بملايين المواطنين إلى دروب اللجوء والتشريد حيث ذاقوا مرارة الغربة وانكسرت كرامتهم في بلدان اللجؤ ،ورغم هذا المشهد المأساوي ظل الأمل معقود على ما يحققه الجيش والقوات المساندة له من تقدم ميداني واستعادة مساحات واسعة من الوطن في معركة مصيرية تهدف إلى تطهير البلاد من التمرد وإعادة الأمن والاستقرار.
هذا التقدم أعاد إشعال جذوة الأمل ودفع كثيرين لاتخاذ قرار العودة بحثا عن حياة آمنة ومستقرة على أرضهم ، لكن وبينما كانت القلوب تسبق الخطى نحو الوطن جاءت الصدمة من الداخل واقع معيشي متدهور، وغلاء فاحش، وغياب واضح للمعالجات الحكومية، كلها عوامل أعادت حسابات العودة إلى نقطة الصفر، ودفعت كثيرين إلى التريث، انتظارا لانفراج لم يأتي بعد.
لا شك أن الأزمات الإقليمية والدولية ألقت بظلالها على الاقتصاد لكن الفارق يكمن في كيفية إدارة الأزمة،ففي دول أخرى تم اتخاذ تدابير واضحة مصحوبة بخطاب رسمي يشرح ويطمئن ويحتوي غضب الشارع، أما في سوداننا الحبيب فقد ترك المواطن وحيدا في مواجهة موجة الغلاء دون حماية تذكر أو حتى خطاب يواسيه ويشرح له ما يجري.
كيف يمكن لمواطن أنهكته ثلاث سنوات من الحرب وفقد خلالها مصدر رزقه واستقراره أن يتحمل صدمة أسعار تضاعفت بشكل جنوني؟ كيف يصبر على واقع أصبح فيه الحصول على الخبز تحديا يوميا بعد أن قفزت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة إنها ليست مجرد أرقام بل معاناة يومية تختبر صبر شعب أنهكته الأزمات.
المفارقة المؤلمة أن ذات الشعب الذي خرج يوما احتجاجا على ارتفاع أسعار الخبز يجد نفسه اليوم أمام أزمة أشد وطأة دون أن يرى استجابة حكومية توازي حجم الكارثة ترك السوق بلا ضوابط وأُعطي التجار مساحة للتحكم في قوت الناس بينما غابت الرقابة وتأخرت القرارات وغاب الصوت الرسمي الذي يشرح ويطمئن.
إن المسؤولية اليوم لا تحتمل التأجيل أو التردد فالحكومة مطالبة أكثر من أي وقت مضى باتخاذ قرارات جريئة وعاجلة تعيد التوازن إلى السوق وتضع حدا للفوضى وتحمي المواطن من جشع البعض، كما أن الشفافية أصبحت ضرورة لا رفاهية فالمواطن بحاجة إلى خطاب صادق يشرح التحديات ويقدم حلولا واضحة ويعيد بناء الثقة المفقودة.
السيد رئيس الوزراء لقد علق الناس آمالا كبيرة على قيادتكم ووقفوا خلفكم في لحظة تاريخية فارقة لكن هذه الثقة تحتاج اليوم إلى ما يعززها على أرض الواقع المطلوب ليس فقط إدارة الأزمة بل احتواؤها والتخفيف من آثارها على المواطن الذي لم يتبقى له من هذه الحرب سوى صبره.
اخرجوا إلى الناس خاطبوهم بوضوح طمئنوهم بإجراءات ملموسة وواجهوا الفساد بلا تردد حاسبوا كل من يعبث بقوت المواطنين، واضربوا بيد من حديد على أيدي المتلاعبين بالأسعار وأعيدوا الانضباط إلى مؤسسات الدولة، فالمعركة اليوم لم تعد عسكرية فقط بل معركة معيشة وكرامة.
إن إعادة الأمل إلى نفوس السودانيين لا تحتاج إلى وعود بقدر ما تحتاج إلى أفعال قرارات تعيد للناس إحساسهم بالأمان وتمنحهم سببا حقيقيا للعودة إلى وطنهم لا الهروب منه مرة أخرى.
لقد بلغ الضيق مداه ولم يعد في يد المواطن ما يحتمل به مزيدا من الأعباء فكونوا على قدر اللحظة واصنعوا الفارق قبل أن تتحول الحسرة إلى قطيعة والأمل إلى خيبة.
اللهم هل بلغت اللهم فاشهد.
ولنا عودة.
٤ أبريل ٢٠٢٦م