سباعية تصلح للحفظ والتدبر والمؤانسة

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

سباعية تصلح للحفظ والتدبر والمؤانسة

 

أشواق وأرزاق

أبيات تستحق أن تكتب في مداخل الأسواق حيث الرزق الغليظ يقرأها المشترون والبائعون وأصحاب الحاجات والذين يملأون أعينهم بالمعروض ولا يستطيعون.
قيل أن معروف الكرخي قد صلى خلف إمام، فلما فرغ من صلاته قال الإمام لمعروف: من أين تأكل؟ قال: إصبر حتى أعيد صلاتي التي صليتها خلفك. قال: ولم؟ قال:
لأن من شك في رزقه شك في خالقه.

وقال أبو حازم: ما لم يكتب لي لو ركبت الريح ما أدركته.
وقال عمر بن أبي عمر اليوناني:
غلا السعر في بغداد من بعد رخصة
وإنّي في الحالين بالله واثق
فلست أخاف الضيق والله واسع
غناه ولا الحرمان، والله رازق

الأماني العذبة

التمني والأماني تصِحُ بالنية البيضاء وتصلح للشعر والغناء، ولكنها لا تصح للاعتماد والتمسك بها، فالأماني معظمهن كواذب، ومن العبارات اللطيفة في التمني والأماني رائعة أبو قطاطي (الأماني العذبة) التي غنها ود شارع القبة بالأبيض خليل إسماعيل عليهما الرحمة .
وفي الأماني قال الحسن: إياكم وهذه الأماني، فإنه لم يعط أحد بالأمنية خيراً قط في الدنيا ولا في الآخرة.
قال قس بن ساعدة:
وما قد تولى فهو لا شك فائت
فهل ينفعنّي ليتني ولعلّني
وقال آخر:
ولا تتعلّل بالأماني فإنّها
عطايا أحاديث النفوس الكواذب

فقد الشباب وفُرقة الأحباب

في الأدب العربي الكثير من الحكايات وأصدق الحكايات العربية هي الحكايات المضمخة بالحزن والدموع وهي تصلح للتعزي والسلوى حين نفارق الديار والأحباب.
ومن الحكايات التي تستدعي وتستدني الدموع السواكب حكاية الشاعر أبو العيناء مع المأمون، فقد دخل عليه فخرج منه (ملياردير) وعندما رحل المأمون بكى عليه الشاعر بكاء مراً حتى خاف عليه أبناءه من الهلاك تقول الحكاية أن أبو العيناء قال:
حصلت لي ضيقة شديدة، فكتمتها عن أصدقائي، فدخلت يوماً على يحيى بن أكثم القاضي، فقال إن أمير المؤمنين جلس للمظالم، وأخذ القصص، فهل لك في الحضور؟ قلت: نعم، فمضيت معه إلى دار أمير المؤمنين، فلما دخلنا عليه أجلسه وأجلسني، ثم قال: يا أبا العيناء، بالألفة والمحبة ما الذي جاء بك في هذه الساعة؟ فأنشدته:
لقد رجوتك دون النّاس كلّهم
وللرجاء حقوق كلّها تجب
إن لم يكن لي أسباب أعيش بها
ففي العلا لك أخلاق هي السبب
فقال: يا سلامة أنظر أي شيء في بيت مالنا دون مال المسلمين، فقال: بقية من مال. قال: فادفع له منها مائة ألف درهم، وابعث له بمثلها في كل شهر. فلما كان بعد أحد عشر شهراً مات المأمون، فبكى عليه أبو العيناء حتى تقرّحت أجفانه، فدخل عليه بعض أولاده، فقال:
يا أبتاه بعد ذهاب العين ماذا ينفع البكاء، فأنشأ أبو العيناء يقول:
شيئان لو بكت الدماء عليهما
عيناي حتى يؤذنا بذهاب
لم يبلغا المعشار من حقيهما
فقد الشباب وفرقة الأحباب

جرأة مواطن وحِلم أمير

دخل رجل من أهل اليمن على معاوية بن أبي سفيان فأرد أمير المؤمنين أن يختبر صبره فقال له : ما أحمق قومك إذ ولوا عليهم امرأة وكان يعني بلقيس ملكة سبأ التي قدمت على النبي سليمان، فقال الرجل : إن ملكتنا بلقيس قد استرشدت بالهداية وعادت بالفطرة ألم تسمع قول الله تعالى:
{قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ ۗ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
فقال الرجل اليماني :أما قومك فهم الحمقى إذ قالوا:
{وَإِذۡ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلۡحَقَّ مِنۡ عِندِكَ فَأَمۡطِرۡ عَلَیۡنَا حِجَارَةࣰ مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ أَوِ ٱئۡتِنَا بِعَذَابٍ أَلِیمࣲ}
أفلا قالوا: إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له؟
ضحك سيدنا معاوية وقال: لم أسمع أفحم من ذلك! فأمر له بعطية وهدية، ورده إلى أهله معافى . قال حكيم العرب : لم أدر لمن أتعجب لجرأة الرجل وفصاحته أم لسماحة معاوية وصبره وحلمه وكرمه على العامة والدهماء!

ما أقسى وقوف الكِرام على أبواب اللئام

حمى الله الكرام من ذل السؤال وتسفل الحاجة، ولكن الزمان الأغبر ما يضطر الكثير من الكِرام أن يقفوا على أبواب اللئام وإن الداء والأعداء والمنافي والأبناء مَجْبنة والجُبُنُ لا يليق بالكبار ولكنها نوائب الدهر. قال علي كرم الله وجهه:
لا تسأل الناس فتذل ولا تكثر من الشئ فتمل.
وقال رضي الله عنه: لولده مارأيت في وجه امرئ أقبح من ذل السؤال.
قال الشاعر:
ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله
عوضا ولو نال الغنى بسؤال
وإذا السؤال مع النوال وزنته
رجح السؤال وخفّ كل نوال

الزهور والورد شتلوها جوه قلبي

أهل السودان رضي الله عنهم رُزقوا بأرض تُجيد إنجاب الحبوب والفاكهة والأزاهير والينابيع والنوافير، هي تفعل وهم لا يفعلون، لكنهم يتلذذون بالحدائق في الأشعار والأناشيد والأغنيات، أما على أرض الواقع فلا، ورحم الله الشاعر الذي يبدو أنه خريج كلية زراعة ومتخصص في البساتين في ذلك الزمان القديم إذ يقول عليه الرحمة:
هذا الربيع وهذه أزهاره
متجاوب في أيكه أطياره
وبدا البنفسج والشقائق مونق
والورد يضحك بينها وبهاره
فاشرب على وجه الحبيب وغنّ لي
هذا هواك وهذه آثاره

قطِع أخدر

إشتهر كثير من الشعراء بالشعرارتجالاً دون تحضير أو إضافة أو حذف أو تجميل، وهو ما يطلق عليه أهل السودان ( قطِع أخدر) وقد برع فيه كثيرون في مقدمتهم المتنبي وأبو العلاء والحسن بن هاني وأبو العتاهية، ومن الحديث إيليا أبو ماضي الشاعر المهجري الشهير. قال له بعض أصدقاءه يوماً : أَلا تَصِفُ الكَريمَ لَنا فأنشد ارتجالاً وقال عَلى البَديهه:
إِنَّ الكَريمَ لَكَالرَبيعِ تُحِبُّهُ لِلحُسنِ فيه
وَتَهَشُّ عِندَ لِقائِهِ وَيَغيبُ عَنكَ فَتَشتَهيه
لا يَرتَضي أَبَداً لِصاحِبِهِ الَّذي لا يَرتَضيه
وَإِذا اللَيالي ساعَفَتهُ لا يُدِلُّ وَلا يَتيه
وَتَراهُ يَبسُمُ هازِئً في غَمرَةِ الخَطبِ الكَريه
وَإِذا تَحَرَّقَ حاسِدوهُ بَكى وَرَقَّ لِحاسِديه
كَالوَردِ يَنفَحُ بِالشَذى حَتّى أُنوفَ السارِقيه