مباني ومعاني وأماني

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

مباني ومعاني وأماني

 

1
من أدبيات السياسية السودانية أن الرئيس الراحل جعفر نميري كان يرغب في أن يحيط وزراءه بعدد من المستشارين فأراد فتوى من الراحل المحامي الرشيد الطاهر بكر رئيس الوزراء آنذاك، فأرسل له هذه الوريقة وفيها نصيحة العرب عند اختيار المستشار
(ينبغي أن يكون المستشار صحيح العلم، مهذب الرأي، فليس كل عالم يعرف الرأي الصائب، وكم ناقد في شيء ضعيف في غيره).
قال أبو الأسود الدؤلي:
وما كلّ ذي نصح بمؤتيك نصحه
وما كلّ مؤت نصحه بلبيب
ولكن إذا ما استجمعا عند واحد
فحقّ له من طاعة بنصيب

2
الغبطة لغةً هي الرضا التام بالمحل والأحوال، ولأن السودانيين يحزِمون هذه الأيام أمتعتهم أُسراً وأفراداً صوب الوطن، فنسأل الله أن يكتب لهم الغبطة.
وقد سئل إعرابي يوماً ما الغبطة؟ قال: الكفاية مع لزوم الأوطان.
حاشية:
فإن وفر لهم السادة الولاة الماء والكهرباء وكسرة الخبز ومحاربة الملاريا وحمى الضنك والأمان فإنهم قادرون على الأخريات.

3
كنت دائماً أُهدي لناشئة الصحفيين حين يُستغضَبون ويردون الرد المُقذع، أهديهم مقالة هذا الحكيم الذي وصله خطاب لئيم من صديقه فرد عليه شعراً بأبيات سارت بها الركبان.
اقرأ كتابك واعتبره قريبا
فكفى بنفسك لي عليك حسيبا
أكذا يكون خطاب إخوان الصفا
إن أرسلوا جعلوا الخطاب خطوبا
ما كان عذري أن أجبت بمثله
أو كنت بالعتب العنيف مجيبا
لكنني خفت انتقاص مودّتي
فيعد إحساني إليك ذنوبا

4
كانت طالبة ناشز عالية الصوت لئيمة العبارة، ولما استطال أمرُها واشتهرت (بالنوّاحة) دس إليها مُحاضر الأدب العربي بكلية الآداب ورقة صغيرة بعبارة كبيرة،(إعلمي أن الوجه المصون بالحياء كالجوهر المكنون في الوعاء).
تُرى هل استفاد هذا الوعاء البشري من نصحية الأستاذ العارف؟ لست أدري! فقد غادرنا يومها الجامعة.

5
من الأقوال التي تصلح أن يتمثلها الفرقاء في السودان ساسة ومحاربين ،ما كنا نحفظه (صم) ونُجمِل به أركان النقاش درءاً للفتنة أمام الخصوم:
(من عادة الكريم إذا قدِرَ غفرَ، وإذا رأى زلة سترَ. وقالوا: ليس من عادة الكرام سرعة الغضب والانتقام. وقيل: من انتقم فقد شفى غيظه، وأخذ حقه، فلم يجب شكره، ولم يحمد في العالمين ذكره. والعرب تقول: لا سؤدد مع الانتقام).
والسودانيون يقولون ( التابع غبينتو ضيع مدينتو)
تُرى كم عد المدن السودانية التي سقطت بسبب هذه الغبينة اللعينة؟

6
وعندما طُلب مني اختيار عنوان لهذه الحكاية العربية المؤثرة ونحن في إحدى جلسات المؤانسة السودانية عندما كان السودان أخضر ورحيب، قلت: عزيزي الوليد ( التسوي بأيدك يغلب أجاويدك).
تقول الحكاية:
أن الوليد بن يزيد طلق زوجته سعدى، فلما تزوجت اشتد ذلك عليه وندم على ما كان منه، فدخل عليه أشعب فقال له: هل لك أن تبلغ سعدى عني رسالة ولك عشرة آلاف درهم، قال: أقبضنيها، فأمر له بها، فلما قبضها قال له:هات رسالتك، قال ائتها، فأنشدها:
أسعدى هل إليك لنا سبيل
ولا حتّى القيامة من تلاق
بلى ولعلّ دهرا أن يؤاتي
بموت من خليلك أو فراق
قال: فأتاها أشعب، فاستأذن عليها، فأذنت له، فدخل، فقالت له: ما بدا لك في زيارتنا يا أشعب؟ فقال:
يا سيدتي أرسلني الوليد إليك برسالة ثم أنشدها الشعر، فقالت لجواريها: عليكن بهذا الخبيث فقال: يا سيدتي إنه دفع إليّ عشرة آلاف درهم، فهي لك، وأعتقيني لوجه الله، فقالت: والله لا أعتقك أو تبلغ إليه ما أقول لك، قال: يا سيدتي فاجعلي لي جُعلا قالت: لك بساطي هذا. قال: قومي عنه، فقامت، فأخذه، وألقاه على ظهره، وقال: هاتي رسالتك، فقالت:
أتبكي على سعدى وأنت تركتها
فقد ذهبت سعدى فما أنت صانع
فلما بلّغه الرسالة ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأخذته كظمة فقال لأشعب: اختر مني إحدى ثلاث إما أن أقتلك، وأما أن أطرحك من هذا القصر. وأما أن ألقيك إلى هذه السباع فتفترسك، فتحير أشعب وأطرق مليا ثم قال: يا سيدي ما كنت لتعذب عيناً نظرت إلى سعدى، فتبسم وخلّى سبيله.

7
كلما تذكرت شيخ العرب شقيقنا الأكبر الذي تربينا مع الوالد تحت أكنافه كرماً ووشجاعة وسؤدداً وفطنة الراحل حسن خوجلي، تعزيت بأبيات أشجع السلمي حين رثى عبدالله بن سعيد في قصيدته الجهيرة المُبينة التي يقول في بعض أبياتها النواضر:
مضى ابن سعيد حيث لم يبق مشرق
ولا مغرب إلا له فيه مادح
وما كنت أدري ما فواضل كفّه
على الناس حتى غيبته الصفائح
وأصبح في لحد من الأرض ميتا
وكان به حيا تضيق الصحاصح
سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض
فحسبك منّي ما تكنّ الجوانح
وما أنا من رِزء وإن جلّ جازع
ولا بسرور بعد فقدك فارح
لئن حسنت فيك المراثي بذكرها
فقد حسنت من قبل فيك المدائح