
خطاب البرهان في ذكرى 6 ابريل .. جيش وشعب يكتبان ملحمة الكرامة
خطاب البرهان في ذكرى 6 ابريل .. جيش وشعب يكتبان ملحمة الكرامة
تقرير: مجدي العجب
في لحظةٍ تختلط فيها الذاكرة الوطنية بنداءات الحاضر، وتتعانق فيها محطات التاريخ مع تحديات الواقع، يجيء السادس من أبريل كأحد أكثر الأيام رسوخاً في وجدان الشعب السوداني، يوماً لا يُستعاد بوصفه ذكرى عابرة، بل باعتباره رمزاً متجدداً لمعاني الانحياز للإرادة الشعبية والتلاحم بين الشعب وقواته المسلحة. فمن انتفاضة أبريل 1985 إلى ثورة ديسمبر 2019، ظل هذا التاريخ شاهداً على لحظات مفصلية انحازت فيها المؤسسة العسكرية إلى صوت الجماهير، لترسم مع الشعب ملامح التحول والتغيير.
واليوم، وفي ظل التحديات المصيرية التي تواجه البلاد منذ اندلاع أحداث حرب السودان 2023، يكتسب السادس من أبريل بعداً إضافياً، حيث يتجدد فيه التأكيد على وحدة الصف الوطني، وعلى الدور الذي تضطلع به القوات المسلحة في حماية الدولة وصون كرامة شعبها. وفي هذا السياق، تأتي كلمة رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة، عبد الفتاح البرهان، لتعيد تسليط الضوء على هذه العلاقة التاريخية، مؤكدة أن الجيش ظل – وسيظل – شريكاً أصيلاً في معركة الكرامة ومسيرة التحول الديمقراطي.
إن استدعاء هذه المحطات لا يهدف فقط إلى استحضار أمجاد الماضي، بل إلى ترسيخ قناعة راسخة بأن الشعب السوداني، الذي خبر صنوف التحديات، لا يمكن أن يُهزم أو ينكسر، وأن قواته المسلحة، الممتدة جذورها في وجدان الأمة، تظل السند والدرع في أوقات الشدة. وبين ذاكرة الانحياز في 1985 و2019، وواقع الصمود في معركة الكرامة، تتشكل ملامح مرحلة جديدة عنوانها التكاتف الوطني، والإصرار على استكمال مسيرة البناء وصولاً إلى الدولة المدنية الديمقراطية التي ينشدها السودانيون.
وتبرز ذكرى السادس من أبريل كمنصةٍ لإعادة قراءة المشهد السوداني برمته؛ حيث يتقاطع التاريخ مع الحاضر، وتتجدد الأسئلة حول المستقبل، بينما يظل الثابت الوحيد هو هذا التلاحم العميق بين الشعب وجيشه، بوصفه الضامن الأول لوحدة البلاد واستقرارها، والحارس الأمين لمسيرة التحول نحو غدٍ أكثر أمناً وعدلاً.
ووجه السيد رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، التحية والتقدير للشعب السوداني وللقوات المسلحة، مستحضراً المحطات التاريخية التي جمعت الطرفين في خندق واحد. وأشار القائد العام للقوات المسلحة في كلمته بمناسبة ذكرى السادس من أبريل، إلى رمزية اليوم، مستذكراً استجابة وانحياز قيادة القوات المسلحة لمطالب الشعب في عام 1985م، وتكرار المشهد ذاته في السادس من أبريل 2019م، وصولاً إلى الوقفة الصلبة للشعب السوداني في 15 أبريل 2023م ومساندته لقواته في معركة الكرامة ضد التمرد.
ووصف رئيس مجلس السيادة الشعب السوداني بالشعب البطل والكريم، لافتاً إلى أنه لا يقبل الذل أو الهوان، ولا يقف مكتوف الأيدي أمام أي تجبّر. وأضاف: “إن شعار (جيش واحد شعب واحد) ليس مجرد كلمات، بل هو واقع تجلى في أسمى صوره خلال معركة الكرامة، حيث هبّ الجميع لنصرة الوطن”.
وقال سيادته: “إن الشعب السوداني عندما يضيق به الحال يلجأ للقوات المسلحة، ولذلك نستجيب لمطالبهم فوراً، وهذه وقفات مضيئة في تاريخ القوات المسلحة ووقفات مشرفة في حق الشعب السوداني”، مؤكداً أن الشعب سينتصر، ولن يقف مكتوف الأيدي أمام كل من تكبر وتجبر.
وحيا البرهان قادة القوات المسلحة السابقين الذين رسخوا مبدأ الانحياز للإرادة الشعبية “شعب واحد جيش واحد”، وانضمامهم للثورة في (1985م – 2019م) وتلاحمهم مع الشعب السوداني في معركة الكرامة، كما ترحم على أرواح الشهداء الذين قدموا أنفسهم فداءً للوطن، وقال: “التحية لكل سوداني ثأر للكرامة ونصر القوات المسلحة، ولكل الثوار في الثورات الشعبية السابقة وآخرها 2019م”.
وجدد رئيس مجلس السيادة القائد العام العهد للشعب السوداني، مؤكداً أن القوات المسلحة ماضية في استكمال مسيرة البناء التي بدأت في 1985م و2019م. وشدد على الالتزام بالوصول إلى التحول الديمقراطي المنشود، حيث يمتلك الشعب وحده الحق في تقرير مصيره واختيار من يحكمه عبر الوسائل التي يرتضيها.
مرحلة مفصلية
ويقول العقيد (م) محمد فرح أن ما تشهده الساحة السودانية اليوم يمثل مرحلة مفصلية في تاريخ الدولة، حيث تتقاطع فيها التحديات العسكرية مع رهانات الانتقال السياسي. ويشير في حديثه ل “ألوان” الى أن القوات المسلحة، بحكم تكوينها الوطني وعقيدتها القتالية، ظلت تمثل العمود الفقري للدولة السودانية، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها حرب السودان 2023، والتي أعادت تعريف أولويات الأمن القومي.
واضاف : تماسك المؤسسة العسكرية والتفاف قطاعات واسعة من الشعب حولها لم يكن أمراً طارئاً، بل امتداد طبيعي لعلاقة تاريخية تعززت في محطات مفصلية مثل انتفاضة أبريل 1985 وثورة ديسمبر 2019، حيث أثبتت التجربة أن استقرار البلاد يظل رهيناً بوجود جيش وطني موحد وقادر على حماية مؤسسات الدولة.
ومن الناحية العسكرية، يشير إلى أن المعركة الحالية أظهرت تطوراً في أداء القوات المسلحة من حيث الانتشار والسيطرة العملياتية، مؤكداً أن تقليص نطاق التهديدات وتحجيم المليشيات يمثل خطوة استراتيجية نحو استعادة كامل التراب الوطني. وفيما يتعلق بالجانب السياسي قال: المرحلة المقبلة تتطلب إدارة انتقالية متوازنة، تضمن عدم إقصاء القوى الوطنية، مع الحفاظ على دور القوات المسلحة كضامن للاستقرار، إلى حين استكمال مطلوبات التحول الديمقراطي.
ووختم حديثه لنا قائلا: التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في كسب المعركة ميدانياً، بل في كيفية توظيف هذا الانتصار لبناء دولة قوية ومستقرة، تستند إلى مؤسسات فاعلة وإرادة شعبية حرة، وهو ما يتطلب توافقاً وطنياً واسعاً يحفظ للسودان وحدته وسيادته.
ترتيب الأولويات
فيما يرى الاكاديمي والمحلل السياسي الدكتور محمد تورشين أن المشهد السوداني الراهن يتسم بدرجة عالية من التعقيد، حيث تتداخل فيه الأبعاد العسكرية مع الحسابات السياسية بشكل غير مسبوق منذ اندلاع حرب السودان 2023. واشار في تصريح ل”ألوان” إلى أن استمرار المعارك أعاد ترتيب أولويات الفاعلين، بحيث باتت قضية بقاء الدولة والحفاظ على مؤسساتها في مقدمة الأجندة الوطنية.
ويؤكد أن الخطاب الذي يربط بين الجيش والشعب، خاصة في مناسبات رمزية مثل السادس من أبريل، يعكس محاولة لإعادة بناء الشرعية على أساس وطني جامع، مستدعياً إرث محطات تاريخية مثل انتفاضة أبريل 1985 وثورة ديسمبر 2019، حيث لعبت المؤسسة العسكرية أدواراً حاسمة في لحظات التحول. ولفت في الوقت ذاته إلى أن هذا الربط يحتاج إلى ترجمة عملية عبر سياسات واضحة تعزز الثقة بين المكونين المدني والعسكري.
وزاد في قوله لنا: أي تقدم عسكري على الأرض يجب أن يُواكَب برؤية سياسية متماسكة، لأن حسم الصراع لا يتحقق بالقوة وحدها، بل عبر مشروع وطني يعالج جذور الأزمة، بما في ذلك قضايا الحكم، وتقاسم السلطة، وإعادة بناء المؤسسات. وذهب في حديثه: التحدي الأكبر يتمثل في إدارة مرحلة ما بعد الحرب، حيث سيكون من الضروري تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الأمن والاستقرار، واستحقاقات التحول الديمقراطي.
وعي وطني
وذكرى السادس من أبريل أكثر من مجرد استدعاء لتاريخٍ مضى؛ فهي لحظة وعيٍ وطني تعيد التأكيد على أن قوة السودان الحقيقية تكمن في تماسك جبهته الداخلية، وفي ذلك الخيط المتين الذي يربط بين الشعب ومؤسسته العسكرية. وبين تحديات حرب السودان 2023 واستحقاقات المستقبل، تتعاظم الحاجة إلى قراءةٍ متوازنة توظف ما تحقق ميدانياً في بناء مسار سياسي راسخ، يفضي إلى دولة مستقرة وعادلة.
إن الانتصار لا يُقاس فقط بحسم المعارك، بل بقدرة السودانيين على تحويل هذه اللحظة إلى نقطة انطلاق نحو إعادة بناء الدولة على أسس متينة، تستوعب الجميع وتحفظ السيادة الوطنية. وعليه، يظل الرهان الحقيقي على وعي الشعب، وتماسك مؤسساته، وقدرته على صناعة توافق وطني واسع، يفتح الطريق أمام تحول ديمقراطي مستدام، ويؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الاستقرار، والكرامة، وبناء المستقبل.