
د. نجلاء حسين المكابرابي تكتب: كيف تعيد صراعات إيران رسم خريطة الاقتصاد العالمي؟
مسارات
د. نجلاء حسين المكابرابي
كيف تعيد صراعات إيران رسم خريطة الاقتصاد العالمي؟
في قلب عالمٍ مضطرب، لم تعد التوترات في الشرق الأوسط مجرد نزاعات إقليمية عابرة، لكنها تحولت إلى عامل حاسم يعيد تشكيل موازين الاقتصاد العالمي. فالدور الذي تلعبه إيران، سواء عبر نفوذها المباشر أو عبر حلفائها في المنطقة، بات يمتد أثره إلى ما هو أبعد من حدود الجغرافيا، ليصل إلى أسواق المال والطاقة والتجارة الدولية.
من يراقب المشهد عن كثب يدرك أن القضية ليست مجرد صراع سياسي، بل هي معركة نفوذ على مفاصل الاقتصاد العالمي.
فالمواجهة غير المباشرة في دول مثل اليمن وسوريا ولبنان خلقت بيئة دائمة من عدم الاستقرار، وهي البيئة التي تكرهها الأسواق، وتفر منها الاستثمارات، وتنهار فيها العملات.
لكن التأثير الأخطر يظهر في شرايين الطاقة العالمية. فكل توتر قرب مضيق هرمز ليس مجرد خبر سياسي، بل هو إنذار اقتصادي عالمي. هذا الممر الضيق يحمل على عاتقه جزءًا ضخمًا من إمدادات النفط، وأي تهديد له يعني ببساطة ارتفاعًا في الأسعار، وزيادة في تكاليف الإنتاج، وتضخمًا يطال كل بيت في العالم، من الصين إلى ألمانيا.
ولا يقل خطرًا عن ذلك ما يجري في مضيق باب المندب، حيث تتحول التجارة العالمية إلى رهينة للصواريخ والطائرات المسيّرة. هنا لا تتوقف الخسائر عند حدود النفط، لكنها تمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية، فتتأخر الشحنات، وترتفع تكاليف التأمين، ويُعاد تسعير كل شيء، من الغذاء إلى التكنولوجيا.
سياسيًا، تمارس إيران ما يمكن وصفه بـ”استراتيجية الاستنزاف الذكي”، حيث لا تدخل في مواجهة شاملة، لكنها تدير صراعات منخفضة الحدة تُبقي خصومها في حالة استنزاف دائم. هذه الاستراتيجية تُجبر دولًا مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة على توجيه موارد ضخمة نحو الأمن والدفاع بدلًا من التنمية، ما يبطئ مشاريع التحول الاقتصادي الطموحة.
وفي المقابل، ترد القوى الكبرى بأسلوب مختلف: العقوبات. لكن هذه العقوبات المفروضة على إيران لم تعد مجرد أداة ضغط، بل تحولت إلى عامل اضطراب عالمي. فهي تقلص المعروض النفطي أحيانًا، وتدفع إيران للبحث عن تحالفات بديلة، خاصة مع الصين وروسيا، ما يسرّع من تشكّل نظام اقتصادي عالمي متعدد الأقطاب.
النتيجة النهائية؟ عالم أكثر هشاشة. أسواق أكثر تقلبًا. واقتصاد عالمي بات رهينة لشرارة قد تنطلق من مضيق ضيق أو صراع محلي.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد صراع نفوذ، بل هو إعادة صياغة لقواعد اللعبة الدولية. فإما أن تنجح القوى الإقليمية والدولية في احتواء هذا التوتر، أو أن العالم مقبل على مرحلة طويلة من “اقتصاد الأزمات”، حيث تصبح الحروب غير المباشرة هي المحرك الخفي للأسعار، ويصبح الاستقرار هو الاستثناء لا القاعدة.
في الشرق الأوسط… السياسة تُكتب، لكن الاقتصاد هو من يدفع الثمن.