إسحق أحمد فضل الله يكتب: (والحديث مع موسى)

مع إسحق

إسحق أحمد فضل الله

(والحديث مع موسى)

و… أستاذ،
سنوات الكتب والسينما تجعلنا نفهم ما وراء الأشياء.
وأيام التمهيد للشذوذ يجدون أن الناس يعرفون أن الشذوذ شيء ضد الرجولة،
عندها يطلقون فيلم Brokeback Mountain،
وفيه اثنان من رعاة البقر في الخلاء… أخشن الناس، ونموذج الرجولة… عندها يجعلون الرجلين يمارسان الشذوذ… ممارسة هدفها أن تقول للناس إن الشذوذ ليس ضد الرجولة.
وضربوا للفيلم طبولًا حتى يسوقوا الناس إليه.
وأيام الدعوة للانتحار صنعوا فيلم The Silence of the Lambs، وفيه… انتحر… فداءً لأسرتك.
وفي الفيلم عجوز نفسه مريضة، يعلن عن جائزة لكل من ينتحر أمامه… والجائزة تزداد كلما كان الانتحار بطيئًا… بشعًا…
وما لا ينتبه إليه الناس… بحكم التعود الطويل… هو أن أفلام الكابويز كانت كلها عن: روعة وجمال القوة التي تبيد الهندي، وتطرده من أرضه؛ لأن المجد الآن للقوي فقط.
وهوليوود تطور هذا… وأنت ضد المسكين الضعيف…
هذه هي ثقافة عالم اليوم…
……
(٢)
والإنسانية… الفطرة المخلوقة في النفس… الإنسانية العطشانة، يستخدمون عطشها هذا للمكسب…
فأنت تكون أكثر تعاطفًا حين ترى من يسقي الظمآن الضعيف… وهكذا تذهب الروايات عندهم لصنع التعاطف هذا.
ويكتبون…
الشاب، مصادفة، وفي صباح بارد، يجلس على مقعد في محطة القطار إلى جوار عجوز منفرد…
وحديث…
في اليوم التالي، الشاب يجد العجوز على المقعد ذاته… وأنس…
في اليوم الثالث… الرابع… الخامس…
الشاب يجد أن العجوز لم يكن يجلس هناك ينتظر القطار… العجوز كان ينتظره هو… والكلمات كانت هي حياته كلها.
والوحشة في نهاية العمر شيء له في الروح مثل مذاق الرماد في الفم… خصوصًا أن العجوز يجد أن الرماد هو رماد عمره هو… عمره المحترق…
والحرب تمنعنا من الحديث… حديث نعود إليه كلما جاء الثاني والعشرون من مارس…
حديث عن عيد الأم…
الحديث الذي له دفء أحضان أمك لما كنت طفلًا.
ومنذ سنوات ونحن نكرر حديث مصطفى أمين.
قال:
في صباح قبل سنوات دخل خادم المكتب ليقول لي:
امرأة بالباب تبكي وتطلب مقابلتك.
قال مصطفى: وتشاءمت، فأنا أكره الدموع…
قال المراسل: وإنها ترتدي السواد…
وتشاءمت، فأنا أكره السواد.
والمرأة دخلت وجلست، وقالت:
فقدت ابني البارحة.
قلت: يرحمه الله.
قالت: لم يمت… بل… تزوج…
قال: ولما رأت دهشتي قالت:
لا أعني أنني حزينة لهذا، فما كان أحد أكثر فرحًا مني… لكني حزينة لأنه لم يقل الكلمة.
قلت:
أي كلمة؟

قالت:
ربيت ابني اليتيم منذ عامه الثاني… وتخرج… وعمل… وخطب… وتزوج… ويوم زواجه كنت أدور حوله… وأدور… وحتى لما قاد عروسه إلى العربة سبقته وفتحت الباب… وتعمدت أن أكون أمامه في كل لحظة حتى يتذكر ويقول الكلمة… كنت أنتظر أن يقول لي… وهو يفارقني… كنت أنتظر أن يلتفت ويقول:
شكرًا يا أمي…
لكنه انطلق… ولم يقلها.
قال مصطفى: وكان اليوم هو الثاني والعشرين من مارس.
وقررت أن يكون ذلك اليوم هو يوم عيد الأم… اليوم الذي يتذكر فيه كل أحد أن يلتفت إلى أمه ويقول: شكرًا يا أمي.
ومصطفى يصف كيف خصص كل مدفعية أخبار اليوم، وكل أيام العام، ليذكر الناس بالعيد هذا…
قال: والدعوة نجحت نجاحًا يفوق التصور.
والشوارع والأسواق ازدحمت بمن يشترون الهدايا للأم.
قال مصطفى:
أما أنا وأخي التوأم علي، فإننا وقفنا على قبر أمنا وقرأنا الفاتحة.
(٤)
وأنا العجوز أقف على قبر أمي كل عام في الرابع والعشرين من أبريل، وأقرأ الفاتحة.
الله… الله… الله