
يوسف محمد الحسن يكتب: المساء (101) .. عودة باذخة للناس والوطن
تحت السيطرة
يوسف محمد الحسن
المساء (101) .. عودة باذخة للناس والوطن
في كل مكان أذهب إليه، لا يتركني الناس قبل أن يستحضروا ذكريات إذاعة (المساء)، يروونها وكأنهم يتحدثون عن حبيبة غائبة، يسألونني بلهفة متى يعود أثيرها؟ ومتى نستعيد ذلك الصوت الدافئ الذي كان يملأ أيامنا جمالًا؟.
حينها أدرك أن (المساء 101) لم تكن محطة عابرة، بل قطعة من الوجدان، ورفيقة راسخة في ذاكرة لا تنسى.
لم تكن مجرد موجة في الأثير، بل عالمًا متكاملًا جمع بين الفكرة الرصينة والحضور الجميل، عبرها تسللت الأغنيات إلى الدواخل، ووجد الناس فيها نافذة للدفء، ومتنفسًا يخفف عنهم ضجيج الحياة.
ولا يمكن ذكر (المساء) دون تحية الأستاذ حسين خوجلي، الذي قدّم مشروعًا متكاملًا صاغ فيه الكلمة والصورة والصوت في لوحة واحدة، مؤكدًا أن الفكرة حين تُبنى بوعي وإيمان، تصل إلى القلوب وتخترق العقول.
وإلى جانب الإذاعة، كانت قناة أم درمان وصحيفة ألوان امتدادًا لنفس الروح، مثلثًا صنع حضورًا ثقافيًا مختلفًا، وأضفى على يوميات الناس تنوعًا ومتعة لا تُشبه غيرها.
المعروف أن (المساء) قد طالها الخراب مؤخرًا، حين امتدت إليها أيادي المليشيا المجرمة، فعبثت بما لا يُعبث به، لكن ما هو أعمق من الجدران لا يُهدم، وما يسكن القلوب لا تطاله الفوضى.
لأن (المساء) عميقة الجذور، بقيت حاضرة في الداوخل، وهاهي لتضمّد الجراح، وتعيد للذاكرة صفاءها، وتثبت أن الجمال قادر على النهوض مهما اشتدت العتمة.
ومع عودة (المساء) من جديد بحضورها الباذخ، لا يفوتني أن أحيّي كل من مرّ عبر أثيرها، من مذيعين ومعدين وفنيين، أولئك الذين تركوا بصماتهم، وأسهموا في أن تبقى صوتًا يليق بالناس والوطن.
(المساء) إذاعة متفردة، تعبر إلى الوجدان دون استئذان، هي الإذاعة كما يجب أن تكون؛ تفاصيلها من برامجها إلى أغنياتها، ومن حواراتها إلى أصواتها، صنعت كيانًا مختلفًا، أقرب إلى الناس من أنفسهم.
وما أجمل أن نعترف بالشوق، وأن نقول إن (المساء) لم تغب، لأنها ما زالت تسكننا، وعودتها الانيقة كطلوع الفجر بعد ليلٍ طويل، كنبض يعيد للحياة معناها.
عودي يا مساء… فما زال عشاقك على الوعد، ينتظرونك بذات الحب، ويحتفظون لك بمكانٍ لا يزول في الذاكرة.