
الدرس المستفاد من صمود الأحفاد
كتب: محرر ألوان
من كان يظن أن هذا المقاتل المهدوي البسيط الزاهد بابكر بدري القادم من رحم قرى الرباطاب، والمهاجر من أسر معركة توشكي والجريح في معركة كرري، يمكن أن يتناغم بكل هذا الذكاء مع معطيات الاستعمار الإنجليزي المصري ويذعن في غير جبن لسياق المرحلة والواقع المرير؟ ويواسي هامساً رفاقه الجرحى القادمين من كرري:
تقبل الله جهدكم وجهادكم ولكن اعلموا أنه (قد طويت صفحة المواجهة الغليظة وأظلنا زمان الجهاد بالعلم هو السيف الوحيد الذي سنطيح به أعناق المستعمرين الجُدد) فكانت أولى تجاربه في حركة التحرير تعليم المرأة برفاعة، وانتقل بها إلى أم درمان وطاف على أغلب مدن السودان على تجارها وأصحاب الوعي بها ليتبرعوا لهذا المشروع الوطني الكبير فكانت الأحفاد للطلاب والطالبات (المدماك) الأقوى في صرح الوعي والاستنارة في بلادنا.
رحم الله الشيخ بابكر بدري الذي جعل جهاده ضد الجهل والجهالة موهبةً وإخلاصاً وبها جعل آلاف البيوت السودانية التقليدية تمنحه فلذات أكبادها وتعلن مبادئ (السفور الملتزم الحميد لا الاختلاط الفاضح المريب). عبر الرجل بكفاحه وكفاح أبنائه وأحفاده وحفيداته حتى صارت تلك المدرسة الصغيرة التكوين العظيمة التمكين صرحاً وجامعة تنافس الجامعات الإفريقية والعربية بل والعالمية.
إن أحزان أم درمان كبيرة وجارحة وفادحة بعد تدميرها من قبل هؤلاء الأوغاد الغرباء، إلا أن حزن النساء المؤسِسات والطالبات على جامعة الأحفاد كان أكبر فالردهات وقاعات الدرس والتحاضر والمعامل والمكتبات التي كانت حتى بالأمس القريب تضج بالمعرفة والحياة أصبحت على يد هؤلاء التتار أثراً بعد عين، وعندما عادت الخرطوم محررة عَلَّق أحد الآباء في مقدمة المدخل المنهوب بيت شوقي الشهير:
ما حَطَّموكَ وَإِنَّما بِكَ حُطِّموا
مَن ذا يُحَطِّمُ رَفرَفَ الجَوزاءِ
التحايا رغم أنف النكبة والوفاء من آلاف الخريجين والخريجات على جيد بابكر بدري ويوسف بدري ومحمد بدري وعثمان بدري ومالك بدري، وبناته وحفيداته من الدراري والكواكب الدُرية ستنا بدري وبلقيس بدري ونفيسة بدري وحرم بدري وأميرة بدري وفاطمة بدري وآمنة بدري. والثناء والتقدير موصولان أيضاً لكل الأساتذة والمعلمين والدكاترة الأجلاء من غير الأسرة على مدار الأجيال الذين أضاؤوا بجهدهم وعلمهم دروب المستقبل وبدّدوا بنورهم الليالي الحالكات والدياجر فانجلت.
أما القلادة الأكثر وضاءة وجلالاً فيعلقها آلاف الخريجات اللائي ذهبن والقادمات على صدر أستاذ الجيل الصابر المبتلى العارف الرمز البروفيسور قاسم بدري أو (بابا قاسم) كما تعودت الحرائر العفيفات أن يهمسن بها عند الصباح وعند الرواح وعند الحضور وعند الوداع. وتحية إجلال خاصة وباقة من أزاهير الوفاء لرفيقة دربه الدكتورة آمنة الصادق بدري القابضة على جمر القضية والمبذولة للعلم والخير وحب الآخرين.
اللقطة النادرة للرجل الأمة بابكر بدري الأنصاري الرباطابي ابن رفاعة وأم درمان وابن السودان الشامخ الكبير وهو يحفر بيديه المعروقتين الطاهرتين الأساس للمباني الجديدة لمدرسة الأحفاد الثانوية (بنين) بحي العرضة، وطلابه يشاهدون في فخر أستاذ الجيل وهو يضع اللبنات الأولى لهذا الصرح الوطني المهيب.
