
السودان أمام مجلس الأمن: لا سلام دون تفكيك المليشيا
السودان أمام مجلس الأمن: لا سلام دون تفكيك المليشيا
تقرير: الهضيبي يس
قال مندوب السودان لدى مجلس الأمن، السفير الحارث إدريس، على خلفية جلسة الإحاطة التي عقدها المجلس الجمعة بشأن تطورات الأوضاع في السودان، إنه في ضوء المجريات الأخيرة التي وسمت مسار البحث عن السلام والدور الأمريكي المرتقب، بعث رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، في الأول من أكتوبر الجاري، برسالة إلى الرئيس دونالد ترمب، أكد فيها أن السودان يثمن اهتمامه بتحقيق السلام، لا سيما إعلانه في 19 نوفمبر 2025 عن عزم الإدارة الأمريكية إنهاء الحرب في السودان. وذكر السفير الحارث أن السلام هو الخيار الاستراتيجي، منذ أن ابتدرت الحكومة تصورها السوداني لإنهاء الحرب في عام 2024، والذي يتبلور في إعلان جدة في مايو 2023، برعاية الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية. وفي الوقت نفسه، تقدم السودان بملاحظات فنية لحماية المدنيين وحقوق المجتمعات السودانية، ضمن ترتيبات واضحة وملزمة للتنفيذ والتحقق، بهدف التمهيد لوقف دائم لإطلاق النار وإحلال سلام شامل يحفظ سيادة السودان ووحدة إقليمه وسلامة أراضيه.
وأضاف أن نجاح أي هدنة إنسانية تهدف إلى حماية المدنيين يتطلب إنهاء سيطرة المليشيا على المرافق المدنية ومساكن المواطنين. وهذا ما يوجب ضرورة الاتفاق على جدول زمني لانسحابها إلى نقاط تجميع تحت رقابة دولية، مع ضرورة إخراج المرتزقة الأجانب من أراضي البلاد، وكبح تدفقات السلاح والتمويل إلى المليشيا. ويضمن ذلك عدم استغلال الهدنة لإعادة تسليح المليشيات التي ارتكبت جريمة الإبادة، والحيلولة دون تقسيم البلاد. وهذا أيضاً يخدم أغراض توحيد القوات العسكرية المختلفة في البلاد تحت هيكل جيش وطني واحد، يؤدي دوره الدستوري بصورة مهنية واحترافية.
وأشار الحارث إلى أن القرار 2736 أعطى السودان الملكية الوطنية لعملية صنع السلام، ولذلك لا بد من أن يحظى أي اتفاق سلام بالقبول الجماهيري، مع تحديد آليات تنفيذه مسبقاً. كما شدد على ضرورة اتخاذ تدابير نوعية تجاه مؤججي الحرب والجهات التي تمد المليشيا بالسلاح والمال والمرتزقة، وبذل جهود دولية لتفكيك شبكات الاتجار بالحرب وإدامتها، والحد من انتشار الأسلحة غير المشروعة بين الجماعات المسلحة غير الحكومية في المنطقة.
ولفت إلى أهمية الحفاظ على قدرة مؤسسات الدولة على توفير الحماية للمدنيين، وتنفيذ القانون، والقيام بواجباتها في حماية البلاد، مع توحيد تمثيلها وإصلاحها بما يضمن استدامة السلام ومنع حدوث الفراغ الأمني. ويتطلب ذلك الالتزام بالتحول الديمقراطي المدني، ليقرر أهل السودان مستقبل نظام الحكم عبر آلية الحوار الوطني الجامع داخل السودان، مع وجود جيش وطني واحد، وضمان حقوق المشاركة السياسية السلمية والمساءلة عن الجرائم. ويحول ذلك دون توظيف السيطرة المسلحة للحصول على استحقاق في حكم البلاد، أو إضفاء الشرعية على وحدات إدارية موازية أو أفراد.
وعاب الحارث، في الوقت نفسه، على المجتمع الدولي عدم تقديم الدعم المطلوب والمتوقع في مجال المساعدات الإنسانية، مؤكداً أنه حتى نهاية نوفمبر من العام 2025، وحتى أكتوبر من العام 2026، لم يتجاوز حجم الدعم الإنساني نسبة 37%، بينما بلغ مستوى العجز 63%، في وقت يتعلق فيه الأمر بنحو 15 شخصاً من مجتمعات النازحين واللاجئين. وهو ما دفع الحكومة إلى بذل المزيد من الجهود لسد هذه الاحتياجات، الأمر الذي تمثل، إلى حد كبير، في عودة خمسة ملايين مواطن سوداني إلى قراهم ومدنهم حتى الآن.
وشدد مندوب السودان على أن العزيمة والرغبة في إنهاء الحرب تبدآن بتفكيك مليشيا الدعم السريع، لكفالة حماية المدنيين العزل، مؤكداً إصرار الحكومة، ضمن مصفوفة السلام التي دفعت بها إلى المجتمع الدولي، واستناداً إلى ما ورد في اتفاقية جدة للسلام لعام 2023، على إنفاذ البروتوكول الأمني الخاص بالترتيبات الأمنية، للحد من تدفق السلاح وإخلاء المدن من عناصر المليشيا، وكذلك إخراج المرتزقة، حتى يتسنى تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني للسودانيين ودول الحوار أيضاً.
ويذهب الكاتب الصحفي والمحلل السياسي زاهر منصور في الاتجاه ذاته الذي مضى فيه الحارث، مشدداً على ضرورة وضع الحصان أمام العربة، وليس العكس، باعتبار أن رغبة المجتمعين الإقليمي والدولي في إنهاء الحرب بالسودان، إن كانت حقيقية، تستوجب الإصغاء إلى صوت السودان ورؤيته لحل الأزمة، بما يكفل عدم ظهور شكل من أشكال مليشيا الدعم السريع مجدداً، وإن اختلفت المسميات، مع بقاء نهج السياسات والمطامع والمشروعات.
ويضيف زاهر أن من الواضح أن المجتمع الدولي أيضاً لم يفِ بقدر التعهدات التي ألزم بها نفسه فيما يتصل بالمساعدات الإنسانية، إذ لم تتخطَّ مستويات الدعم نسبة 50%، وهو ما يدل قطعاً على أن مؤسسات الأمم المتحدة والإدارة الأمريكية ترغب في إدخال عامل الدعم الإنساني ضمن الاشتراطات السياسية. وإذا مضت في تطبيق هذا النهج، فسيكون الرفض حليف أي خطوات من هذا القبيل، ما يجعل محاولات إحلال السلام في السودان ضعيفة وغير قابلة للتطبيق، الأمر الذي يتطلب تغيير طبيعة التعامل والسياسات التي ينتهجها المجتمع الدولي في إدارة ملف الحرب نفسه.
وزاد: «من الملاحظ تركيز خطاب السودان أمام مجلس الأمن على السلام، وعدم رفض الحكومة له، كما يُشاع ويُتداول، ولكن ليس وفقاً لتصورات بعض المجموعات والقوى السياسية وفرضياتها، وإنما بما يتسق مع إرادة السودانيين ومتطلباتهم. علاوة على ذلك، فإن مبادرة الحوار السوداني – السوداني، ودعوة كافة أطياف المجتمع، يجب أن تكونا مرجعية أساسية لأي نظام مرتقب لحكم البلاد، بما يؤسس لحكم مدني ديمقراطي يحقق قدراً من العدالة الانتقالية وينصف الشعب إزاء ما تعرض له من انتهاكات إنسانية بحق المدنيين العزل».
