الكتيابي: السودان بحاجة إلی كبح جماح عاطفة الولاءات العاصفة

في حوار القضايا والإعترافات الكبرى خارج (ساعات الشعر الرسمية)

 

عبد القادر الكتيابي لألوان: السودان بحاجة إلی كبح جماح عاطفة الولاءات العاصفة

السؤال عن ساسة متجردين للهم السوداني العام هو سؤال عن عملة نادرة

لست سياسياً أتقلب بين وجهات الأغراض
أنا فقط في نموٍّ رأسي علی أرضية قناعاتي

حرب السودان ليس لها دافع طائفي ولا عقدي ولا قبلي ولا حدودي!

المتحزبون ألهاهُم التكاثر – يعددون – حتی زاروا المقابر

 

كان القلم أحبَّ لعبة بين أصابعي وأنا صغير، ثم كبرت فأدركت أن أصابعي تحولت إلى لعبة يجرها قلم

 

حوار: عبد العزيز عبد الوهاب

الجلوس إلى رجل في قامة شاعر أتقن لعبة القلم شعرا/ نثرا منذ طفولته، شاعر اعتلى المنابر ليخاطب الأكابر وعمره يوم ذاك فوق العشر سنوات بقليل فيما ابناء ما فوقها بكثير لا يزال بعضهم يتعثر في التمييز بين الغين والقاف. عبد القادر الكتيابي شاعر مُفاخر ومُكاثر برصيد ذاخر من الأماجد. وعلى قاعدة هذا الرصيد الثر، يعود الكتيابي يؤكد أنه لا يزال في نمو رأسي مستمر، لم يتغير ولم يتبدل: (فأنا لست في لعبة تفرض علي تغيير موقعي ولست سياسياً أتقلب بين وجهات الأغراض).
أهلا بكم أصدقاء ألوان في هذه المؤانسة اللطيفة مع شاعر لا يزال يغرد خارج المألوف .. خارج المحفوف بالتلوين والخوف .. شعاره دائما:
سأبقى ما حَييتُ أنا
على كيفي
إلى أن تَطهُرَ الدُّنيا
وينزل سيدي عيسى
لأنَّ طريقتي في الحُبِّ
يا وطني –
على كيفي

 

 

 

الحبيب كتيابي .. ألوان بمحبيها ومناوئيها تزجيك التحايا .. وتضع بيدك فرشاة و(علبة ألوان) فما أنت راسم؟

 

وعليكم السلام ورحمة الله أخي الأستاذ الصحافي الأديب عبد العزيز والتحية لقراء هذه الصحيفة التي كنتُ واحداً من طاقم استيلادها وتسميتها في زمان وسودان ومجتمع غير هذا، وأغتنم الفرصة لأحيي أخي وصديقي صاحب امتياز تأسيسها ورئيس تحريرها الأستاذ حسين خوجلي، أسأل الله له الشفاء والسلامة. كما أحيي أخي التشكيلي الرائد عتيبي واضع البصمة الخطية لألوان وكافة شهود ميلادها وداعميها بأقلامهم ومحبتهم.

 

وأنت تنشد: على كيفي .. أنا لم أنتخب أحداً…
وما بايعتُ
بعد محمّدٍ ﷺ رجلاً .. ولا صفَّقتُ للزيفِ ..
لماذا أعلنوا صوري؟
لماذا صادروا سيفي..؟ ألا تزال (على كيفك) يا رجل؟ أم أنهم تسوروك فأحاطوك فامتلأ فمك ماءً؟

 

أجدد لك الشكر مرة أخری أخي أستاذ عبد العزيز وأراك قد تخيرت بعض المقاطع الشعرية وغزلت من قطنها خيوط أسئلتك، ولعل ذلك ما يتطلب مني قبل الإجابة أن أمهد بحديث عام حول هذا المدخل الذي تختاره وكثيرا ما يختاره بعض الصحافيين مثلاً: هل مازلت وهل لا تزال علی قولك كذا وكذا .. إجابتي لا شك بنعم لم أزل ولا أزال طالما أنني ومنذ مولدي لم أزل أنا هو أنا. لم أناقض وجداني ولم يناقضني فهذا الشعر مصدره الوجدان بل حتی ما نضح فيه من المواقف العقدية والفكرية والآراء لم أتغير عنه ولم يتغير عني فأنا لست في لعبة تفرض علي تغيير موقعي ولست سياسياً أتقلب بين وجهات الأغراض.
أنا فقط في نموٍّ رأسي علی ذات الأرضية.

 

كتيابي: ما وظيفتك خارج (ساعات الشعر الرسمية) بالنظر إلى كون الشعر في بلادي لا يطعم ولا يسقي؟

 

** تم تعييني بقرار وزاري في 2020 أميناً عاماً علی وحدة الصندوق القومي لرعاية المبدعين وهو إحدی وحدات وزارة الثقافة والإعلام بالخرطوم، وقمت بتنفيذ القرار فوراً وبحماسة قوية نظرا للهمّ الكبير الذي كنت ولا أزال أحمله في شأن قضايا فئة المبدعين وكان امتحاناً صعباً جداً حيث لم أجد من مسمی وحدة الصندوق إلا لافتتها علی واجهة بيت خرب في ش 47 بالعمارات خالية من المؤسسية دون ما تمويل ولا استراتيجية ولا توصيف واضح لدورها تجاه المبدعين وإنتاجهم.

 

كأنك وجدت نفسك أمام مأزق البحث عن بيتٍ يحفظ للإبداع هويته أو ربما (كرامته)؟

 

نعم، بذلت محاولات مضنية لتصحيح الوضع وبينت ذلك كله في مقال يمكن الرجوع إليه علی الشبكة عنوانه (رسالة مفتوحة إلی مجلسي السيادة و الوزراء).

 

وأين كانت محطتك التالية؟

 

كُلفتَ بعدها مديراً عاما علی أكاديمية السودان لعلوم الاتصال والتدريب الإعلامي حيث نشبت الحرب وأنا في مكتبي بها.

 

وكيف كانت حظوظك هناك؟

 

أما الوضع في وحدة الأكاديمية فلم يكن أحسن حالاً من الصندوق وربما كان ذاك حال أكثر مؤسسات الدولة في تلك الفترة ما بعد الثورة لهشاشة الوضع العام والخدمة المدنية بصفة خاصة.

 

من زاوية البعد المفاهيمي المتجاوز للتوصيف السطحي، ما رؤيتك لما وقع من ابتلاء كارثي علی الوطن نتيجة الفتنة الشعواء؟

 

رأيي الخاص: أن ما وقع علی المدنيين وبالشواهد الموثقة – لا ينطبق عليه معنی كلمة حرب حتی نرفضها وننهی عنها بعبارة (لا للحرب) فالأمر ليس مواجهة بين قوتين نظاميتين محكوم كل منهما بضوابط قيادته، وهذا ثابت في انعدام سيطرة قائد التمرد علی أفراد ومجاميع مليشياته غير المدربة تلك.

 

وما تكون، إن لم تكن حربا؟

 

كلا، ليست حرباً لأنها غير خاضعة لما يعرف ب (قانون النزاع المسلح) و (القانون الدولي الإنساني) وليس لها دافع آيدولوجي ولا طائفي ولا عقدي ولا قبلي ولا حدودي محدد حيث إن المدن والقری التي تمت مهاجمتها لم تكن تجمعات قبلية ولا حدودية. عليه فإنها بامتياز ما يعرف بالغارات في ثقافة البدو وهي هجمات غادرة بربرية عشوائية منفلتة عن كافة المظاهر الحضرية ضد المدنيين بأكثر من أن تكون ضد جيشٍ أو كيان مجتمعي عرقي محدد، فمباغتة القری والمدن والمركز بالتدوين العشوائي بغية الإفراغ من السكان والسكنی في بيوتهم وارتكاب جرائم النهب وانتهاك العرض والتعذيب وتدمير مقومات الحياة لا يمكن تسميته بالحرب المعرفة في اللغة والاصطلاح والقوانين الدولية.

 

لكن ألا ترى أن البعد القبلي والجهوي حاضر فيها، وأن الغارات ليست عشوائية بل تبدو مدروسة ومصوبة بإحكام؟

 

صحيح أن هذه الغارات كانت متزامنة مع استهداف الجيش ضمن استراتيجية إلهائه بحيث تكون الهجمات المخططة خنجراً بسنانين سنان ضد الجيش النظامي و سنان ضد المدنيين يقوم بمهام (الحرابة) التي تبدو إفساداً في الأرض لمجرد الإفساد نهباً وتدميراً وانتهاكاً مرعباً. هذا السنان الآخر المصوب تجاه الجيش هو الأشد تنظيما وتخطيطاً وتدريباً لا يمكن أن تقوم به تلك العصابات المنفلتة من عند نفسها حيث إن استهداف قواعد البيانات كالسجل المدني وسجلات الأراضي والمتاحف ووثائق المحاكم ومراكز الأبحاث والأجهزة الإعلامية والمكتبة الوطنية ودار الوثائق والمؤسسات التعليمية لا يكون إلا عن مخطط دقيق بخبرات أجنبية متخصصة غايتها طمس هوية الشعب ومسح الذاكرة الرسمية للدولة تماما تزامناً مع استمرار تهجير المواطنين وإحلال مجموعات بشرية أخری مكانهم والإحلال لا شك غير الاحتلال. وهذا في التعريف العصري أعمال إرهابية غير متصلة بأهداف السنان البربري الآخر.
هذا هو المشهد الكلي بعدسة كاميرا الدرون.

 

 

هلا وضعت كاميرا الدرون هذه بعد هذا التصوير لتحدثنا عن رؤيتك لمستقبل هذا المشهد؟ إلی أين تتجه احتمالات المآلات؟

 

التكهن باحتمالات المآلات في تداخل التعقيدات الراهنة يبدو (ضرباً علی الرمل) ولكن الفهم الصحيح لجذور القضايا ربما يساعد علی إيجاد الحلول، ولعل معايشتي لأتون هذه الأحداث من الداخل قبل نجاتي ومغادرتي مؤخراً وبحكم متابعتي الدقيقة لإرهاصاتها الواضحة في التحشيد العشوائي المتسارع الذي قام به قائد الميليشيا المتمرد وعلی خلفية اهتمامي القديم بالشأن الإفريقي، كل ذلك مجتمعاً يجعلني علی يقين أن القليل جداً من هؤلاء الخائضين إعلامياً في الشأن السوداني، قليل جداً منهم من يستطيعون الرؤية بوضوح لحقيقة ما يجري.

 

من هم أصحاب النظر السديد هنا؟

 

أعني بهذه القلة المراقبين والباحثين في شأن ساحل الصحراء الإفريقية الغربي. والمهتمين بدراسة التاريخ الحديث لهذا الجزء من العالم، وحدهم الذين يدركون ما وراء هذه الأحداث، باعتبار أنهم كانوا يتتبعون مسارها تحت التبن منذ الحرب العالمية الثانية واستراتيجية سايكس – بيكو في التقسيم الجيوسياسي لحدوديات أقطار المنطقة وما تمت زراعته من ألغام الفتن الموقوتة بقسمة القبيلة الواحدة بين أقطار الجوار علما بأنه كانت تحدنا تسعة أقطار ما قبل انفصال الجنوب ولنا مع كل منها قبائل مشتركة و لا يقل إجمالي تعداد قبائل السودان اليوم عن الخمسمائة قبيلة.

 

لكن، ألا تتفق معي أن هؤلاء يعرفون فقط، لكنهم للأسف لا يملكون أدوات للصد أو الممانعة؟

 

ربما، لكن سنجد أن هذا التداخل قد تحول مع الزمن إلی جروح (دافنة) غفلت كل أنظمة ما بعد الاستقلال عن فتحها ومعالجتها فتقيحت وأصبحت مهيأة لهذا الانفجار الذي يعتبره العالم (فجأة) ويعرف الباحثون والمراقبون أنه (بغتةً) والفرق بين المعرفتين كبير، فالمفاجأة تعني ما لم يكن في الحسبان أما البغتة فهي ما تعلم أنه لابد من حدوثه ولكنك تجهل موعده كالموت وقيام الساعة.

 

ما ملامح هذه الرؤية وما مدى سلامتها وملامستها لأس المشكلة؟

 

في تلافيف هذا التعقيد تصعب الرؤية، فما أشد حاجتنا إلی ساسة حكماء وحلفاء أوفياء ومثقفين متجردين من الولاءات الحزبية و الجهوية والخارجية حتی ننقذ وطننا من هذه الهوة السحيقة التي نقف اليوم علی حوافها.

 

وعلى ذكر المثقفين، ما أحوجنا للمثقف الجريء والمستنير الذي يخدم ويقدّم أدوات تحليل تسهم في تحصيل التغيير وبناء عقد اجتماعي نتجاوز به ما شاع عن (فشل النخبة)؟

 

كيف يصل هذا المثقف المستنير يا أخي وقاطعو الطريق ينتظرونه بالمرصاد علی أبواب جامعاتنا ومدارسنا وأنديتنا يتنافسون علی استقطابه لأحزابهم وجماعاتهم؟! كيف يصل والعصبيات المنتنة؛ جهوية وقبلية تُزكم الأنوف وتسدُّ عليه المنافس والمنافذ حتى ينتمي إلی إحداها فيتطبع ويتم غسل دماغه وتجهيله بحقيقة الوطن؟. إن تجربتنا الحزبية التاريخية للأسف المخجل تم تأسيسها علی النهج الرعوي العشائري ، سواء كان تحت لوافت الطائفية المتوارثة أم وراء الافتتان بدعاوی التقدمية المستوردة ، بل حتی هؤلاء الذين يتصيدون ضحاياهم بالشعارات الدينية تحت راياتٍ متشاكسة. كيف يصل المثقف الجريء المستنير إلی موضع القرار وهؤلاء يتربصون به من مدخل المؤسسة التعليمية وحتی قبره.

 

إذًا، كيف نتحاشى هذا الاختطاف وما دور المثقف نفسه الذي أراك تصوره وكأنه بلا حيلة ولا حول؟

 

** إننا يا أخي بحاجة إلی كبح جماح عاطفة الولاءات العاصفة هذه. فلا نرهن قرارنا بغزية إن غزت أم رشدت مالنا وغزية!! ومن هي النخبة التي تتفق علی عقد اجتماعي؟. علينا أن نتخلص من قطٌاع الطرق علی الشباب وتحرير دور التعليم والإعلام من معتركات الاستقطاب السياسي وعلينا تحرير الأتباع من سادتهم وكبرائهم والخروج بهم إلی جادة الفكر والعلم الصحيح بعيداً عن الأكاذيب والخزعبلات. عندئذٍ سيخرج المثقف الوطني الشريف المستنير.

 

في معركة الكرامة، برأيك ما الذي يبقى لينفع الناس وما الزبد الذي سيذهب جفاء، أتحدث هنا عن النخبة وعن سواد الناس؟

 

إذا كان السؤال عن ساسة وطنيين متجردين للهم القومي السوداني العام فهذا سؤال عن عملة نادرة إذ أن جُل من يوصف بأنه سياسي اليوم أصبح شأن الحزب عنده مقدما علی هم الوطن و المؤسف أن بعضاً من هذه الأحزاب السياسية والتكتلات تبدو وكأنها أذرع تبريرية للغزاة فقط لمجرد أنهم ضد خصومها السياسيين ، و بالتالي ضد الجيش الذي يواجه أولئك الغزاة ولهم في ذلك حُججٌ يرون أنها موضوعية، أما الجيش والأكثرية التي خلفه من الوطنيين فموقفهم الموحد هو مقاومة العدوان وهو الموقف الفطري التلقائي الذي لا يقبل التردد في اتخاذه.

 

المبدعون وتباين المواقف حول القضايا الكبری في هذه الأوضاع المعقدة، تری أي ريح أججت هذا الشرر الذي كان مغموراً تحت الرماد في جيلكم من الأدباء وفي أجيال أساتذتكم في الصالونات الأدبية التاريخية؟

 

** صدقت أخي أستاذ عبد العزيز فعلاً لم تكن الانقسامات بهذه الحدة بل لم تكن القضايا نفسها بهذه الضخامة آنذاك وأظن أن ظاهرة التبني الحزبي لأصحاب الصيت والصوت من المبدعين في مختلِف المجالات قد استعرت منذ مطالع الثمانينيات وراحت تنخر في قوام قومية الثقافة السودانية، لم ينجُ منها أحياؤهم ولم تسلم منها سِيَرُ المبدعين الراحلين.
فالمتحزبون ألهاهم التكاثر حتی زاروا المقابر يعدون – فلان هذا كان منا وفلان هذا كان منا. هذه الظاهرة المتجاوزة في جاهليتها لم تجد من يتناولها بالدراسة ويلفتُ الأنظار إليها علی مرّ تاريخنا السياسي الحديث البائس هذا، بل حتی مجال النقد الأدبي نفسه تمَّ جَرُّه إلی ذات الصراع فأصبحت فرضيات أكثر دراساته موظفة إما لهدم خصم سياسي أو لتلميع صنو موالٍ للحزب.

 

لكنك، تلاحظ أن التغابن أصبح اليوم صريحا جليا لا يستره ساتر؟

 

نعم، سادت هذه الظاهرة اليوم في غفلة الوعي الثقافي وحلّت محل المعايير الخاصة بالتذوق الإبداعي وأمسكت بمَصادر المُنتج الإبداعي من منابعها.
أكثر المبدعين الذين يتعرضون للاحتكار الحزبي عادة أولئك الذين تميزوا بالنزوع التجديدي ولعل أكثر الأحزاب تهافتاً عليهم – تلك المحسوبة علی اليسار، باعتبار أن التجديد حكرٌ له وأنه حتی إذا أتی به غير اليساري فهو لا يستحق الاعتبار، وهذا ما أضطر خصومهم للمغالاة في الاحتفاء بمن تمكنوا من استقطابهم وتلميعهم حتی قبل أن تنضج تجربتهم الإبداعية.

 

كأننا بتنا أمام ما يمكن تسميتها ب (حرب القبائل الإبداعية)؟

 

** صحيح، فقد شهدت من ذلك ما أدهشني وأحزنني علی مستقبل الأدب والثقافة السودانية محلياً وإقليمياً، شهدت بعض منسوبي ومنسوبات عهد الإنقاذ تُرَحَّل إلی حضور مشاركاتهم باصات مليئة بطالبات الداخليات وعناصرهم مقابل مكافآت علی الحضور ومعهم (الصفَّاقاتُ) الخشبية تحت إشراف من يعطي الإشارة للتصفيق أثناء الصعود إلی منصات المشاركات لإثارة الضجة والإيهام بعلو كعبه في الشعر حتی و لو لم٘ يكن في قراءته موضع تصفيق. أما ما شهدته من خصومهم اليساريين فقد كان أشدُّ تعسفاً حينما استقرّ أمر الثقافة والإعلام في أيديهم مطالع نظام مايو، حيث حددوا قوائم منسوبيهم من الكتاب والشعراء والمطربين. لا يُنشر ولا يبث لغيرهم إلا ما أفلتوه دون تمحيص.
الشاهد من كل ذلك أن الصراع السياسي عندنا ضلّ طريقه إلی الغاية الرئيسة من فلسفة التحزب وجری مجری العصبيات القبلية والجهوية والعنصرية.

 

هنا يمكن القول إننا أمام حاضر بائس يتقصٌد غدًا يلفه الغموض؟

 

هذه الظاهرة السيئة المسيئة أری أنها قد تغلغلت وصعب تداركها حتی بلغت شأننا الوطني الأشد خطراً والذي به يكون الوطن أو لا يكون، وظهرت فئة تلتمس التبرير لأسوأ المظالم علی وجه الأرض وتؤيد المعتدين علی الأرض والعرض والأرواح طالما أن المُعتدی عليه خصمٌ مشترك بين فئته والمعتدين. ثم هذا هو المال السياسي يصب الزيت علی النار في ساحة استقطاب المبدعين
ويبرز السؤال هنا أين معايير الإبداع المجردة والخاصة به؟ بل أين قومية الثقافة؟ نتج عن ذلك تعدد اتحادات الكتاب والأدباء واشتد الصراع علی أيها يمثل السودان في المحافل الخارجية ومحلياً.

 

ما الإضاءات والإضافات التي حققتها في إغترابك الطويل حيث كانت عوداتك إلی الوطن متباعدة. ليتك تحدثنا عن تجربتك هناك؟.

 

عملتُ في إعلام أبوظبي 1986 – 2004 بين الصحف والإذاعة ومركز الأخبار، وبعض مؤسسات الانتاج الإعلامي الخاصة وعلی صعيد النشاط الثقافي الخاص نُشرت لي مقالات مختلفة وقصائد في الملاحق الأدبية التي كان يحررها كل من الأديب العراقي الراحل جمعة اللامي والكاتب الفلسطيني أنور الخطيب والكاتب الإماراتي علي أبو الريش وكذلك نشر لي في ملحق الجمعة الديني الذي كان يشرف عليه الشيخ إسماعيل الفخراني كما أذيعت لي برامج متنوعة في البرنامج العام وإذاعة القرآن الكريم التي كنتُ أحد مؤسسي انطلاقة بثِّها من أربع ساعات إلی أربع وعشرين ساعة وشغلت فيها موقع المراقب العلمي لصحة المادة الإذاعية وقمت أيضاً بمهام التدريب والمعاينات. لعل ذلك كله أن يكون محفوظاً الآن في مكتبات تلك الصحف والإذاعات.

 

وعلى صعيد النشر لأشعارك؟

 

طبعت هناك ديواني الثاني (هيَ عصاي) 1994 والثالث (قمة الشفق) 1998 و(ديوان الكتيابي – المجموعة الأولی من الشعر الفصيح.

 

أستاذ كتيابي .. نسأل الله أن يرزقك طول العمر ونقول ما شآء الله تبارك الله، قبل أن نتوجه إليك بالسؤال عن رحلتك مع القلم من سن السابعة إلی السبعين اليوم بفضل الله، كيف كانت بداية انطلاقها وكيف هي الآن؟

 

الحمد والشكر لله سبحانه علی نعمة العُمُر و الشيبة علی الإسلام. هذا ليس مجرد سؤال يا أخي أستاذ عبد العزيز فالإجابة عليه ربما لا يحتويها كتاب واحد ولكنني سأحاول عرض لمحات موجزة إكراماً لك ولقرائك. وأنا في مطالع الرابعة عشرة من عمري صعدت علی منصة الجمعية الأدبية بمدرسة أم درمان الأهلية المتوسطة في نشاطها الأسبوعي المعتاد وألقيت بعض محاولاتي الشعرية الأولی مدفوعاً بتشجيع قوي جداً من بعض أساتذتنا الذين بلغهم ميولي المبكر هذا سواء عن طريق زملاء من أبناء الجيران وربما من خلال بعض زملائهم وأصدقائهم من أهلي. كان ذلك مابين العامين 1970 – 1974 حيث اصطحبني من البيت ذات جمعة أستاذنا المرحوم عدلان حامد الأمين إلی ندوة شقيقه الأديب الكبير عبد الله حامد الأمين عليه رحمة الله فلم أنقطع عنها حتی حادثة وفاته في 1976.

 

وبمن التقيت هناك؟

 

عرفت فيها من الأعلام عبد الهادي الصديق والنور عثمان أبكر ود. حسن عباس صبحي ومبارك المغربي وحسن طه أما المجذوب فقد سبقت معرفتي به بحكم صداقتهما هو ود. علي المك بخالي الراحل محمد علي يوسف بشير ولقاءاتهما الراتبة في بيتنا. وكلما حضر باحث أجنبي في أدب خالي المرحوم التيجاني يوسف بشير ومنذ تلك الفترة عرفت الطريق إلی ندوة فراج السراج، وأربعاء مبارك المغربي والمنتديات الشبابية والمكتبات إلی جانب صالوننا الراتب في بيتنا ندوة إشراقة الأدبية.

 

وفي هذا الخضم الماتع الرائع تولدت لديك مهارة الإمساك بالقلم حتى توطدت؟

 

ربما، وكما ذكرت في مقدمة ديواني الأول (كان القلم أحبَّ لعبة بين أصابعي وأنا صغير، كبرت معي محبته وفُتنت باقتنائه وعنيت بإصلاحه وسقياه واستعماله لرسم الحياة وكتابتها على كل ما يمكن النقش عليه، وعلى ذلك مضت عقود من عمري – أدركت بعدها أن أصابعي تحولت إلى لعبة يجرها قلم ..). هذه كل القصة من البداية إلی اليوم.