حوار خاص مع البروفيسور المهندس المستشار المستشار أمين بابكر عبد النبي مصطفى

حوار خاص مع البروفيسور المهندس المستشار المستشار أمين بابكر عبد النبي مصطفى

 

أحد الرموز الأكاديمية والهندسية في السودان، وصاحب مسيرة ممتدة بين التدريس والإدارة والبحث العلمي. تقلّد عدداً من المناصب أبرزها عمادة كلية الهندسة بجامعة النيلين، وأمانة الشؤون العلمية بالجامعة، إلى جانب رئاسته لمعهد أبحاث النيلين. وهو حالياً عميد الكلية الأردنية السودانية للعلوم والتكنولوجيا، والأمين العام لاتحاد المهندسين السودانيين.
جمع البروفيسور بين العمل الأكاديمي والإداري، وأسهم في تطوير برامج الدراسات العليا، كما مثّل السودان في العديد من المحافل المهنية. وفي هذا الحوار ناقشنا معه مسيرته والمحطات التي عمل بها، ورؤيته بوضوح في قضايا التعليم الفني بالسودان، ويطرح رؤيته لمعالجة التحديات في مرحلة ما بعد الحرب وإعادة الإعمار.

حوار: خضر مسعود ومجدي العجب

+++

■ بدايةً، حدثنا عن الجذور والنشأة الأولى؟

 

– تنحدر أسرتي من شمال السودان، من صاي – مناطق السكوت، وكذلك من نهر النيل – مناطق الرباطاب (أبو هشيم والشريك)، إضافةً إلى المحمية غرب الكتياب والعالياب. هذه الجذور المتنوعة ساهمت بشكل كبير في تكوين شخصيتي. أما الميلاد فكان في الجزيرة – الحوش. ويمثل الميلاد في الجزيرة قيمة خاصة لما يتميز به أهلها من محبة ومحنة. ومن ناحية الوالدة، فجدي عبد اللجريش الرباطابي كان من كبار التجار في منطقة الحوش في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، وهو شقيق الأمير مختار قريش الرباطابي الذي كان أميراً في الدولة المهدية.
نشأت في حي الوابورات بمدينة بحري حيث كان والدي بابكر عبد النبي يعمل مهندساً فنياً ومكانيكياً (مخارط) في النقل النهري حوالي عام 1964 – 1965، بعد أن أكمل دراسته في جبيت الصناعية. وبعد عام من مجيئه تزوج من ابنة خاله عبد الله جريش، وهي والدتي فاطمة عبد الله جريش.

 

■ كيف كانت المراحل الدراسية الأولى؟

 

– بدأت في روضة الوابورات، ثم التحقت بمدرسة الوابورات الابتدائية المختلطة. بعدها واصلت المرحلة المتوسطة، وكنت من أوائل المدرسة، بل كان ترتيبي متقدماً على مستوى ولاية الخرطوم. ثم التحقت بـ مدرسة مايو المتوسطة، وبعدها الأهلية المتوسطة (السكة حديد – بحري)، حيث قضيت ثلاث سنوات وتفوقت في الشهادة، وكنت الأول على المدرسة.
انتقلت بعدها إلى بحري الثانوية، وهي مدرسة كانت أشبه بالجامعة لما فيها من معامل فيزياء وكيمياء ومكتبات وأنشطة. وأذكر محطة مميزة عندما أعلن أستاذنا أنور محمود يوسف عن جائزة مالية قدرها 100 جنيه لأول المدرسة، وكانت المنافسة شرسة، والحمد لله أحرزت المركز الأول وفزت بها في عام 1982 – 1983.

 

■ وماذا عن فترة بحري الحكومية؟

 

– التحقت بـ بحري الحكومية وقضيت فيها ثلاث سنوات جميلة. كانت بحق مؤسسة تعليمية مميزة، مليئة بالأنشطة الثقافية. كان هناك منبر أسبوعي يحضره البروفيسور الحبر يوسف نور الدائم والدكتور عبد المطلب الفحل، لذلك عندما انتقلنا لاحقاً إلى جامعة الخرطوم شعرنا أننا بالفعل كنا في مؤسسة أقرب ما تكون للجامعة.

 

■ كيف تصف تجربتك الجامعية في جامعة الخرطوم؟

 

– التحقت بكلية الهندسة، قسم الهندسة الكهربائية والإلكترونية، وهو من أعلى التخصصات. كانت سنوات مليئة بالعلم والنشاط الأكاديمي. في آخر سنتين توليت رئاسة جمعية الهندسة الكهربائية والإلكترونية.
إلى جانب ذلك، كنت مولعاً بالأنشطة الثقافية والأدبية منذ صغري. كنت أحرص على حضور محاضرات البروفيسور عبد الله الطيب في القاعة (102)، وكذلك محاضرات البروفيسور الحبر يوسف نور الدائم، والشيخ فراج الطيب السراج، وقد سألته يوماً عن حضور “جلسات العلم”، فقال لي: “لدينا جلسات في أم درمان للصابرين على العلم”.
كما كنا نتابع محاضرات الزبير بشير طه في علم النفس، والتي كانت تُقام في الهواء الطلق، وكذلك محاضرات الدكتور حسبو سليمان، الطبيب والشاعر والمثقف الموسوعي. هذه الأجواء في جامعة الخرطوم جمعت بين العلم والثقافة والفن والرياضة.

 

■ بعد التخرج، كيف بدأت مسيرتك العملية؟

 

– بعد التخرج عملت في مجال الحوسبة والاتصالات، وكنت متعاوناً مع بعض المؤسسات التعليمية في التدريب على بعض المقررات في الجامعة الأهلية، إلى جانب عملي الهندسي في الشبكات والحاسوب، وهو تخصص كان جديداً آنذاك.
ثم التحقت بشركة نارس (الشركة الوطنية لخدمات البحوث والمعلومات)، وهي شركة أمريكية الطابع، ومن خلالها حصلت على الدعم للالتحاق ببرنامج ماجستير الهندسة بجامعة الخرطوم.

 

■ حدثنا عن تجربتكم في جامعة حضرموت باليمن؟

 

– في العام 1996 التحقت بجامعة حضرموت للعلوم والتكنولوجيا. كانت البداية حين أتوا إلى الخرطوم في زيارة رسمية، وبعد المعاينات تم اختياري ضمن مجموعة صغيرة من الأساتذة، منهم صديقي معتصم عبد الله المهدي (أمين مكتبة جامعة الخرطوم)، وكنا أصغر اثنين في المجموعة، إلى جانب أسماء بارزة مثل: بروف عابدين، بروف سعد عثمان بشير، د. بلة عبد الله مدني، د. الطيب المنصور الحسن الذاكي، أسامة عبد الحميد عبد الله، سعد عثمان بشير، ودفع الله عوض الله قسم الله.
كنا أول مجموعة سودانية تُدرّس هناك، وكانت الجامعة قد افتتحت قبلها بثلاثة أشهر فقط وتقتصر على اللغة الإنجليزية والعربية. وجدنا الطلاب ضاقوا ذرعاً بذلك، فبدأنا معهم تدريس الهندسة. الاستقبال كان حافلاً ومؤثراً، وهو ما شحذ هممنا لتقديم أفضل ما عندنا. قضيت في كلية الهندسة خمس سنوات كانت جميلة ومثمرة. ومن أبرز من زاملتهم هناك بروف عبد الوهاب سر الختم، الرجل العالم، والذي فاز بجائزة الشهيد الزبير للإبداع الكتابي عن كتابه في موضوع الوقف.

 

■ كيف عدت إلى جامعة النيلين؟

 

– في العام 2001، وخلال فترة الإجازة، عدت إلى السودان. تواصلت معي كلية الهندسة بجامعة النيلين وكان لديهم رغبة في أن أنضم إليهم. كانت فترة انتعاش في السودان، فالتقيت بروف عوض حاج علي مدير الجامعة آنذاك. وأثناء وجودي معه في مكتبه وقع حادث 11 سبتمبر (ضرب برجي التجارة العالمي). في ذات اليوم وقّعت عقدي مع جامعة النيلين.
بعد يومين أو ثلاثة تولى عمادة الكلية بروف إسماعيل الأزهري، وتعلمنا منه الكثير. كنت رئيس قسم في فترة عمادته، وبعد ثلاث سنوات تعينت نائب عميد كلية الهندسة. بعدها بمدة قصيرة حصلت على الدكتوراه في الاتصالات.

 

■ ثم توليتم عمادة كلية الهندسة بجامعة النيلين؟

 

– نعم، في العام 2009 عُيّنت عميداً منتخباً لكلية الهندسة بجامعة النيلين، وظللت في المنصب حتى 2014 – 2015، ثم عُيّنت أمين الشؤون العلمية.

 

■ ما أبرز إنجازاتكم خلال فترة العمادة؟

 

– من الأعمال التي تدعو للفخار أننا ابتدرنا برامج دراسات عليا في تخصصات دقيقة ونادرة، منها:
ماجستير الأنظمة المتضمنة (المدمجة) – وهو أول برنامج من نوعه متعلق بالحوسبة.
ماجستير شبكات البيانات والاتصالات.
ماجستير الاتصالات المتنقلة.
ماجستير الهندسة الكيميائية.
ماجستير التحكم.
كانت هذه البرامج ناجحة جداً، واستقطبنا لها أساتذة كبار من جامعة الخرطوم وجامعة السودان وجامعة كرري، وهو ما جعلها تحظى بقبول واسع.

 

■ وماذا عن تجربتكم في الشؤون العلمية ومعهد الأبحاث؟

 

– فترة عملي كأمين للشؤون العلمية لم تدم أكثر من عام، ثم طُلب مني تأسيس معهد أبحاث النيلين للهندسة والتقنية والحاسوب، وكان معهداً بحثياً متخصصاً. وفي ديسمبر 2016 تمت ترقيتي إلى بروفيسور، بعد أن كنت قد نلت درجة الأستاذ المشارك في العام 2013.
منذ التحاقي بجامعة النيلين أصبحت عضواً في المجلس الهندسي السوداني، باللجنة الأكاديمية ولجنة الإعلام. وفي 2014 تم انتخابي عضواً في الاتحاد العام للمهندسين السودانيين، وأنا الآن أشغل منصب الأمين العام للاتحاد.

 

■ لكم أيضاً إسهامات في الإعلام المهني؟

 

– نعم، كنت رئيس تحرير مجلة صوت المجلس الهندسي، وكذلك مجلة المهندس السوداني. كما أمثل السودان في لجنة التعليم باتحاد المهندسين العرب في القاهرة، وما زال التواصل والنشاط مستمراً حتى الآن.

 

■ ماذا عن عمادتكم في جامعة الشيخ عبد الله البدري بولاية نهر النيل؟

 

– في العام 2017 تواصل معي الإخوة في جامعة الشيخ عبد الله البدري – بربر، فتوليت عمادة كلية الهندسة لمدة عامين. كانت فترة مثمرة، ومن أبرز إنجازاتها الحصول على الرقم الهندسي، وهو إنجاز كبير أُقيم له احتفال ضخم.

 

■ وماذا بعد العودة إلى جامعة النيلين؟

 

– في العام 2019 عدت أستاذاً بكلية الهندسة – جامعة النيلين. وبعد أشهر قليلة تم ترشيحي لعمادة الكلية الأردنية السودانية للعلوم والتكنولوجيا، حيث أعمل حالياً. مع الإشارة إلى أنني كنت قد عملت أستاذاً متعاوناً فيها بين العامين 2003 – 2004.

 

■ كيف أثّرت البيئة الثقافية والاجتماعية في شخصيتكم؟

 

– كان للبيئة المنزلية أثر عظيم. جدتي لأمي كانت شاعرة بالفطرة، ووالدتي تتمتع بلباقة وفصاحة ولسان طلق في مجالس الأنس. لدى أهلنا الرباطاب فصاحة لسان بارزة، والوالد كان خطيباً في المناسبات الاجتماعية، إضافة إلى مسؤوليته عن النشاط الرياضي في نادي البحرية.
من جانب آخر، كان الوالد يحرص على جلب مجلة العربي بانتظام، وهو ما أضاف لنا الكثير. كما أن العلم الشرعي كان حاضراً؛ فجدي الشيخ عبد الله جريش كان عالماً يقيم حلقات علم في مسجد أم درمان الكبير. كل ذلك أسهم في صقل شخصيتي بالعلم والمعرفة والثقافة.

 

■ ما العلاقة بين العمل الهندسي والإداري؟

 

– أرى أن العمل الإداري فن أكثر من كونه علماً، وفيه جوانب إبداعية شبيهة بالهندسة. فالهندسة تقوم على ما يعرف بـ التفكير المركب (Structured Thinking). على سبيل المثال: العمل الصناعي مبني على قواعد هندسية وخطوات واضحة تقود في النهاية إلى منتج. هذه الرؤية انعكست على أسلوبي في الإدارة.

 

■ هل من زملاء درب أصبحوا شخصيات بارزة؟

 

– نعم، كثيرون: المرحلة الابتدائية (الوابورات): أحمد بلال محمد بلال (ضابط)، د. هجو منير جاد السيد (طبيب)، المهندس عماد عبد الكريم الرضي.
المرحلة المتوسطة: الفريق أمير عبد المنعم فضل، نائب مدير عام الشرطة حالياً، وهو رفيق طفولة وزميل دراسة. أهنئه على المنصب المستحق.
المرحلة الثانوية (بحري): د. أشرف عبد الحافظ عثمان (مهندس)، حمد مدثر مصطفى بحيري، اختصاصي الإحصاء الأستاذ صالح محمد صالح، بروف عادل عبد الله حامد (نال الأستاذية مؤخراً – أهنئه)، د. عثمان يوسف عثمان (رابع الشهادة السودانية – خبير فيزيائي متميز).
أما في جامعة الخرطوم، فأكاد لا أحصيهم لكثرتهم، وهذه مجرد نماذج.

 

■ متى بدأت علاقتكم بالكلية الأردنية السودانية للعلوم والتكنولوجيا؟

 

– بدأت علاقتي بالكلية في العام 2021، وكانت فترة مليئة بالتحديات الاقتصادية. عزمت حينها أن أكون عند حسن الظن والثقة التي أولتها لي لجنة الاختيار. وأذكر من أعضائها: بروف قاسم بدري مدير جامعة الأحفاد، بروف الهادي آدم مدير جامعة النيلين، الوزير يحيى عبد الله، بروف حمودي من جامعة السودان، د. أحمد عبد القادر، والأستاذ جمال محمد عبد الله مدير إدارة التعليم العالي.

 

■ ما هي أولوياتكم بعد تولي المسؤولية؟

 

– عملنا على تحسين وتيرة العمل العلمي والأكاديمي، وتجويد العملية التعليمية من حيث المناهج، الشهادات، الامتحانات، إضافة إلى تحسين أوضاع منسوبي الكلية. كما اهتممنا بالأنشطة اللاصفية، وهذا ما جعل الكلية قبلة للطلاب. في آخر عام قبل الحرب كان المخطط قبول 1300 طالب، لكن تم قبول 1500 طالب وطالبة، واعتذرنا عن قبول نحو 3000 طالب وطالبة.

 

■ ماذا عن النشاطات الثقافية والرياضية في الكلية؟

 

– كان النشاط الطلابي مميزاً، حيث حاز منتخب كرة القدم على كأسين، كما أن جمعية مهندسي الكهرباء والإلكترونيات السودانية (فرع الجمعية العالمية) أحرزت المركز الثاني مرتين بعد جامعة الخرطوم.

 

■ ما أبرز التحديات التي واجهتكم وكيف تعاملتم معها؟

 

– ركزنا على دعم التخصصات المختلفة بأساتذة أكفاء، وتعيين أساتذة من خريجي ومنسوبي الكلية، مع تأهيلهم لنيل الماجستير والدكتوراه. كما بدأنا قبل الحرب في إجراءات ترفيع الكلية إلى جامعة، وجهزنا الكتيب الخاص بالكلية لرفعه إلى وزارة التعليم العالي.

 

■ ما هي التخصصات التي تطرحها الكلية حالياً؟

 

– لدينا أربع تخصصات في الهندسة (بكالوريوس):
هندسة القدرة
هندسة التحكم
هندسة الاتصالات
هندسة الحاسوب
وتخصصات في نظم تقنية المعلومات (بكالوريوس 4 سنوات) وتشمل:
المحاسبية
المصرفية
الإدارية
إضافة إلى برامج في: الدراسات الإسلامية، القانون، علوم الحاسوب، هندسة البرمجيات، تقانة المعلومات.
وبذلك يصبح لدينا 9 تخصصات بكالوريوس.
أما برامج الدبلوم فعددها اثنان:
دبلوم نظم تقنية المعلومات المحاسبية
دبلوم الهندسة الإلكترونية

 

■ كيف تعاملتم مع فترة الحرب؟

 

– استأنفنا الدراسة إلكترونياً في يوليو 2023، وفي فبراير 2024 أجرينا الامتحانات، بعضها عبر 10 مراكز امتحانية والأخرى إلكترونياً. والحمد لله تخرج 750 طالباً وطالبة.

 

■ هل هناك تعاون من الوزارة معكم في هذه المرحلة؟

 

– نعم، هناك تعاون واضح. الوزارة لديها قنوات منظمة، وهناك لجنة تسمى لجنة تنظيم التعليم غير الحكومي تضم ثلاثة ممثلين من الجامعات الخاصة، والكلية الأردنية السودانية واحدة منها. ومن الأشياء الإيجابية أننا حتى خلال الحرب لم نتوقف عن دفع الرواتب، بل واصلنا التزاماتنا تجاه منسوبي الكلية.

 

■ هل يمكن القول إنكم عدتم فعلياً إلى الخرطوم؟

 

– نعم. الامتحانات الأخيرة جرت في المقر الرئيسي باللاماب، وكان من أكبر المراكز، حيث جلس فيه نحو 200 طالب. لذلك نعتبر أنفسنا قد عدنا للخرطوم. ونعمل حالياً على تجهيز منظومة الطاقة الشمسية للمركز الرئيسي، كما نمضي قدماً في مشروع ترفـيع الكلية إلى جامعة، وهو إنجاز نطمح لتحقيقه قريباً بإذن الله.

 

■ ما هي أبرز الإشكاليات التي يعاني منها التعليم الفني في السودان؟

 

– أولى الإشكاليات مرتبطة بالنظرة الاجتماعية السالبة تجاه الطالب الفني، إذ يدرس ثلاث سنوات مقارنةً مع طالب البكالوريوس الذي يدرس أربع سنوات. هذه المقارنة جعلت الكثيرين ينظرون إلى الفني على أنه دون المستوى. والحل هنا أن نمنح خريج المعاهد الفنية حقه كاملاً عند دخوله الخدمة، ونوفر له فرص العمل في المؤسسات المختلفة، لأن لهم أهمية كبيرة. والدليل أن دولاً كبرى تصل نسبة المشتغلين فيها بالجوانب الهندسية والتقنية إلى 70% فأكثر، ومعظمهم من الفنيين.

 

■ كيف ينظر المجلس الهندسي السوداني إلى موقع الفنيين داخل المنظومة الهندسية؟

 

– نحن في المجلس نؤكد أن الهرم الهندسي ينبغي أن يكون قاعدته العمال المهرة، يعلوهم الفنيون والتقنيون، وفوقهم المهندسون. ومن الأفضل أن يكون أمام كل مهندس أربعة فنيين، وأمام كل فني أربعة عمال مهرة. ولترتيب هذه المعادلة نحتاج إلى تشريعات داعمة، وقد تم بذل بعض الجهود مثل إقرار أن الدرجة التاسعة تكون مدخلاً للخدمة لحملة البكالوريوس والدبلوم.

 

■ وماذا عن فرص التوظيف أمام خريجي الدبلومات الفنية؟

 

– يجب أن تتاح لهم فرص العمل بلا مضايقات من بعض المهندسين. والأهم هو زيادة مواعين التعليم التقني، مع رفع جرعات التدريب العملي والمعرفة ليكون الخريج أكثر كفاءة بعد التخرج.
على سبيل المثال: خريج ميكانيكا سيارات درس ثلاث سنوات، وافتتح محله الخاص، يمكن أن يتفوق دخله بعد ستة أشهر على أعلى دخل لمهندس. وكذلك خريج دبلوم كهرباء بخبرة عملية قد يكون أفضل أداءً من مهندس في مؤسسة كبرى. إذن، التدريب والتسليح بالمعارف هو جوهر الحل.

 

■ كيف تقارنون وضع التعليم الفني في السودان مع بعض التجارب العالمية؟

 

– الدول تتبع مذاهب مختلفة. في ألمانيا مثلاً، التعليم التقني يحظى باحترام كبير، والقانون يحميه لأنه يحقق دخلاً ضخماً للاقتصاد. أما في الولايات المتحدة فيتم تدريس طلاب التعليم الفني داخل المنشآت، مع تطبيق عملي طويل، فيخرج الطالب بعد ثلاث سنوات منافساً قوياً لحملة البكالوريوس.
حتى بعض الدول العربية اتجهت لبرامج تحويلية، حيث يخضع خريجو الهندسة (الميكانيكية، الكيميائية، الكهربائية، الزراعية) إلى تدريب مدته سبعة أشهر لتأهيلهم عملياً قبل التعيين.

 

■ ما هي التحديات التي واجهتموها أنتم شخصياً في هذا المجال؟

 

– أذكر أننا في فترة عملنا بقطاع البترول اضطررنا لاستيراد عمال لحام من الصين، بينما كان يمكن تدريب شبابنا خلال عام واحد وتسليحهم بالشهادة التي ترفع من قدرهم وتمنحهم رخصة لمزاولة المهنة. بعض الدول تمنح مثل هذه الرخص حتى لـ الحلاقين والجزارين بعد التأكد من تأهيلهم في أسس السلامة والمعرفة.

 

■ السودان الآن في مرحلة ما بعد الحرب وإعادة الإعمار.. ما المطلوب تجاه التعليم الفني؟

 

– المطلوب أن تهتم الدولة بالكوادر الفنية وتدعم التعليم التقني بالتشريعات، حتى يكون للخريج وضعه المستحق، دون تمييز ضده لصالح حملة البكالوريوس. كما يجب مراعاة احتياجات سوق العمل لتوجيه الخريجين إلى المجالات المطلوبة بدلاً من تكدسهم في مهنة واحدة.

 

■ ما دور الإعلام في دعم هذا التوجه؟

 

– الإعلام له دور محوري في تغيير النظرة الدونية للتعليم الفني، وإبراز أهميته في إعادة الإعمار. لابد من تسليط الضوء على مساهمات الفنيين، وتشجيع المجتمع على تقدير هذا النوع من التعليم.

 

■ كلمة أخيرة؟

 

– ختاماً، أقول إن السودان في أمسّ الحاجة إلى التعليم التقني في مرحلة إعادة الإعمار. علينا أن نعالج التحديات، ونرفع من شأن الفنيين، ونمنحهم التدريب والتأهيل الكافي، لأنهم الركيزة الحقيقية لنهضة البلاد.
– ونشكر صحيفة ألوان على هذه المساحة، ونعدكم أن تكونوا دائماً أول المدعوين في جميع مناسبات الكلية.