
الممثل علي مهدي: المسرح السوداني نضج الآن، لكننا لا نحسن تقييم أشياءنا!
الممثل علي مهدي:
رغم الرقابة .. كنا نأخذ الفعل السياسي في الصباح ونحوله إلى المسرح في المساء
المسرح السوداني نضج الآن، لكننا لا نحسن تقييم أشياءنا!
لسنا ريفا ثقافيا وإنما حاضر، بل منتجي ومصدري ثقافة
استمرار أستاذنا الفاضل سعيد لأكثر من خمسين عاما هي إحدى كرامات المسرح
كان لنا مثل جمهور هلال مريخ، لكن ليس لنا ساحة مسرح تتسع لخمسين ألف متفرج
شنبي مثل عيني ويدي ولا دخل له في مسرحي وربما أتحاشاه بذكاء
أجرى المقابلة: عبد العزيز عبد الوهاب
مدخل: على مدى أكثر من ساعتين من (الحكي) اللطيف. جلسنا إليه، هذا المجوّد صاحب الست المشهورات. يضحكك ويبكيك. يبيعك ويشتريك. يخرج بك على النص ويبقى معك بعد (العرض). بطول زمن الوصول إلى البيت، ولو قرب ولو بعد. علي مهدي، طبيب على خشبة المسرح السوداني، يستغل وبكفاءة نادرة (ارتفاع) الخشبة بسنتيمترات من الأرض، فيعالج من علٍ الممنوع المرغوب، والمحظور المحذور. كل ذلك يجريه من خانة (الممكن).
كيف لا؟ والرجل أربعة أخماس وزنه من الإمتاع الخالص. الفنان ينبغي أن يكون إصلاحيا نزيها وتلك وظيفة مهمة كما يراها الفنان علي مهدي. يعالج بها (مقاساة) الشعب السوداني الذي يعيش حالة من الذوق الرفيع والذكاء الحاد والمشاركة في الفعل الفني. جاء هذا في الحديث الذي نشرته مجلة بلادي في العدد التاسع منها والذي صدر في نوفمبر 1995م. ولإثراء النقاش وتذكيرا بذكريات لا تزال نابضة بالحياة كان بطلها الفنان الرائع علي مهدي، فإننا نعيد نشر الحوار الطليق في (ألوان) الصادرة هذا الصباح
فتعالوا لنسمع نشيد الرجل الوناس (الحداس).
بحروف كبيرة ومقروءة، حدثنا عن ملامح بطاقتك الشخصية وكيف تؤرخ لميلادك الأول؟
أشكرك في البداية على اهتمامك البالغ، أظن تكرر لكثير من المبدعين سؤال البطاقة؟ وأظنه أمرا مهما، ومن هذا الفهم أستطيع أن أقول: لكل شخص بداية. بداية طبيعية وأخرى فعلية تؤرخ لإسهام الفنان في الحركة الفنية.
ولميلادك المسرحي؟
لأسباب أو لأخرى، شاء الرحمن أن تكون بدايتي دائما مزدهرة والحمد لله على ذلك. أقول بأنني لم أمر بظروف فنية صعبة إلا في كبري، وليس في بداياتي، وهي الظروف التي ينبغي أن تكون. حيث درج الناس أو المبدعون ان يكونوا منشغلين بفتح مساحات أوسع أو آفاق أرحب. لكن على العكس من ذلك كانت الأمور عندي أكثر سهولة من معاناتهم، وبتوفيق من الله انتقلت من نقاط تحول بشكل سريع ومثلت في نفس الوقت نقاط تحول في مسار الدراما والمسرح.
وما أبرز تلك النقاط؟
كما قلت فأنا من بيت علم. علم الظاهر والباطن، جدي أمير نور الدين كان من أصحاب علم الظاهر، وكان علميا بالرغم من أن أهلي الإسماعيلية كانوا من أهل علم الباطن. وكان من أبكار الأنصار، ثم جدنا الأكبر الأمير عبد الكريم كان من أهل الباطن وجدنا محمد (جند القوم) لا زال قبره يزار في الجابرية التي سميت على جدنا جابر. وأنا جابري والجابرية بيت من بيوت البديرية.
هذا يعني أنك (صناعة) ظاهر/ باطنية؟
هذا المناخ العلمي والباطني خلق داخلي هذا الإبداع، ولمرحلة متأخرة، فوالدي منشغل بالعلم، حيث وجدت في مكتبته (دلائل الخيرات) وحفظت راتب الإمام المهدي، على الأقل الراتب الصغير، ووجدت (العربي الصغير) والمختار.
هنالك مسرحية تخدم غيرها وأخرى لا تخدم إلا نفسها، فما الدور الذي يستهدفه المبدع تجاه مجتمعه ليتغير؟
حقيقة، هذا ليس سؤال وإنما موضوع، ولكن لا بأس أن أسهم فيه بجانب. أولا أظن ما دمنا قد اتفقنا في صدر سؤالك أن حركة التغيير هي جزء من الإبداع، ولعل الإبداع هو مظهر التغيير لأن التغيير شامل، كما أن له أدواته، فكل مشارك في المجتمع له دور. ولعل حوارنا هذا هو أحد مظاهر التغيير، والفنان بالنسبة لي ينبغي أن يكون دوره هو اصلاحي، وأنا أتخير كلمة الإصلاح أكثر من الثورة أو التغيير، لأن التغيير لفظ شاكل، فالسياسي له الخطابة مثلا والعسكري له الدبابة والبيان الأول، ولكن نحن لنا أدوات مستطيلة أكثر ومتسقة، وهي الحوار مع الطرف الآخر.
لكن كمثال فإن مسرحية (وجه الضحك المحظور) ناقشت حالة فنان، في حين أن المسرح رسالته للجميع؟
أهل السياسة بالرغم من أن الفكرة الأساسية ينبغي أن تكون هي الحوار، لكنه حوار متقطع وقد يضيق بالآخر، أما نحن فالحوار عندنا هو الأصل، ف(هي وهو) تضمنت حوارات بين أكثر من رجل وأكثر من سيدة. والعمل الإبداعي متصل بالتشكيل والصحافة لأن (هذا الحوار يقدمني للناس) وهم يعرفونني كممثل ولكن لا يعرفون الوجه الآخر، ولا رؤيتي حول كثير من القضايا ولذلك فعملية الإصلاح الاجتماعي أكثر خطورة من التغيير السياسي. وإذا انتبه الناس لدور الفنان وأفسحوا له المجال ليسهم في الإصلاح الاجتماعي، قطعا سيكون للمجتمع وجه آخر. حسنا هناك عمل فني يعبر عن نفسه فقط أو عن فنان، هنالك مسرحية لذاتها (من أجل الفن للفن) أو مسرحية لجمال ديكورها ولكن إذا رأيتها من جانب آخر هنالك مظاهر أخرى. وعلى طريقة اندياح الدوائر في الماء عندما ترميها بحجر وهذا هو القصد من أن هنالك رواية تعبر عن ذاتها ورواية تعبر عن الآخرين وينطبق ذلك على ( وجه الضحك المحظور).
بعض الأعمال تكريس للعفوية والتلقائية دون استشراف للمستقبل، فالكوميديا عندنا تجري في ثياب التراجيديا والضحك عندنا يختار اللون الرمادي؟
ليست بهذه الحدة ولكن قد تكون هي حدة الحاذق. دعنا إذًا أن نأخذ الحانب المشرق من هذه الحدة. فالمشهد مشرق أكثر وليس رمادي وهناك ألوان واضحة. كوميديا فرقة الأصدقاء مثلا جادة، بل فاقت كوميديا العالم العربي، وأنا أفاخر حقيقة بها مع كوميديا عادل إمام ودريد لحام لأن فيها وعي متقدم، وأفرزت على الأقل كاتبا جيدا لا يقل عن الكتاب العرب هو مصطفى أحمد الخليفة، وأفرزت أكثر من مخرج متميز هما الأستاذان السني دفع الله ومحمد نعيم سعد كأميز المخرجين في المنطقة.
لكن، أليس في الأمر مبالغة أو تزيّد؟
الحقيقة أنا غير محدود الطموح ومبدعينا لا يقلون عن المستويات العالمية. وفقط لو أخذنا كوميديا (الأصدقاء) فهي غنية بالكابريهات السياسية وأعني بالكباريه السياسي السخرية من الواقع السياسي بمعنى أن يتحول المسرح إلى سياسة أن تأخذ الفعل السياسي في الصباح وتحوله إلى المسرح في المساء، وهو ما طبقناه في (هو وهي)
كنا نأخذ ما يصدر في صحف السياسة والأسبوع ومشكلات الجمعية التأسيسية للمسرح وكنا نشاهد جمهورا غير منقطع وعرفت أن شخصا شاهد العرض ستة عشر مرة، وسألته لماذا؟ فذكر أنه يريد أن يعرف ماذا يحدث في كل يوم.
إذًا كانت العلاقة (عامرة) بينكم وبين الجمهور، وحبل الوصل ممدود؟
هذه كوميديا واضحة وتقف في درجة جمالية عالية وتنحاز إلى الناس. والمسرح السوداني نضج الآن، لكننا لا نحسن تقييم أشياءنا فكثير من نقادنا يقارنوا إبداعنا القطري بما هو موجود عند العرب، وهم لم يشاهدوا الساحة العربية وهذه هي الأزمة.!
هل يمكن اعتبار السودان ريفا ثقافيا كما هو ريف اقتصادي بالنظر إلى ضخامة الانتاج الفني العربي والعالمي؟
هذه هي نفس النظرة التي يُنظر فيها إلى أعمالنا فالصلة منقطعة بين الأعمال العربية والنقاد في بلدنا، فهم ينظرون للعمل من خلال التلفزيون، وعندما يتحدثون عن الدراما التلفزيون (مسلسل ليالي الحلمية) كأنه الأول والأخير، في حين أن أعمالنا متقدمة أكثر. نحن لسنا ريفا ثقافيا وإنما حاضر ثقافي، بل منتجي ومصدري ثقافة. وإن شاءت الظروف أن تكون عاثرة بسبب السياسة والاقتصاد، لكن فقط أنظر إلى عام 1800م كانت لنا في الأزهر الشريف رواق السنارية، ولم يكن علماؤنا متلقين وإنما كانوا يعلمون الناس. والرواق كان يجلس فيه عالم مصري وعالم سوداني يعلمان الناس. وفي الجابرية عاش بيننا أحباش وفلاتة ونيجيريين جاءوا لغرض تعلم القرآن. وأحد جدودنا مات في مصوع هو عالم قرآن وليس تاجرا.
وكيف ترى سقف الحرية فوق خشبة المسرح أو عند بوابة الخروج بعد نهاية العرض؟
حركة الإبداع تحتاج إلى حريات أوسع وإذا طلبت مني مثال واضح لعدم الحرية الثقافية قد يصعب علي، لكن النوايا تجاهها على الأقل ينبغي أن تكون مطروحة. الحرية ليست هي أن تقول قدم لي ما تشاء، هذه ليست حرية، الحرية هي أن تخلق ما يمكن أن تقدم من خلاله، فقد أذهب لأقدم إبداعي فلا أجد مسرحا وتلك هي المشكلة. والحرية هي خلق المناخ المناسب والنية وحدها لا تكفي. لابد من فعل وهو غير موجود للأسف. وقضية الرقابة أنا نفسي عانيت منها في مسرحيتي (طبوزة الأول) والرقابة صحيح أنها مشكلة فنان يعاني ولكن هي مشكلة انسان يعاني من مشكلات كثيرة. مشكلة حاكم يعاني من محكومين ومزارع يعاني من الماء.
الأستاذ علي مهدي: ما أقرب النصوص إلى نفسك؟
كثيرة هي ولكن النصوص التي لم أقدمها بعد، مثلا (طبوزة الأول) ودوري فيها من أجمل الأدوار القريبة إلى نفسي أتمنى أن يتسع صدر السلطة الثقافية لكي نقدمها إلى الجمهور.
هل أنت فنان في كل الأوقات أم عند الصعود إلى المسرح؟
قطعا ينبغي للفنان أن يكون سلوكه في حركته اليومية فنانا، ولكن في خشبة المسرح تختلف الأمور تماما.
لتقديم كشف حساب لأعمال المسرح السوداني، هل من كرامات؟
هناك كرامات عديدة، أولا نحن سابقون وأبكار، فقد جاهدنا لكي يكون لنا مايميزنا عن المسرح العربي وهذه كرامة. كرامتنا أيضا أستاذنا الفاضل سعيد واستمراره لأكثر من خمسين عاما، ووصولنا للمشاهد العربي في مطلع السبعينيات في الجزائر ومشاركتنا في دمشق وبغداد وقرطاج والقاهرة. لم نغب عن ملتقى عربي برغم المشاركات المتقطعة وهي كرامة.
وهناك كرامة خاصة هي الوصول إلى المشاهد العربي عبر الشاشة والقنوات الفضائية وعرض مسرحية (واقدساه) عربيا.
هل يوجد ما يمكن أن نسميه (ضعف ثقافة التفرج)؛ فالجمهور يأتي للمسرح إما بغرض الخروج أو الاتصاف بالبرجزة: إن الجمهور لا يأكل من كل الموائد؟
المتفرج عندي في مسرحي مشارك وليس متفرجا، لأنني أخرج على النص وتتداعى عندي الأفعال. أضيف عندها قولا وحركة وفعلا ويكون دور المتفرج هو المشاركة وهو الذي يدفعني لذلك. هناك كتاب اسمه المتفرج الذكي، والمتفرج عندنا في السودان هو أكثر ذكاءً من غيره، والرغبة في الحضور للمسرح هي رغبة في المشاركة في العمل والآن مسرحية (المهرج) تعرض لأكثر من ستة شهور والجمهور لا يأتي بالعادة أو لأن جاره شاهدها لكنه سمع أن هناك عرضا متميزا.
ولو أن لكم روادا مثل جمهور هلال مريخ لأصبحتم كذا وكذا.. ولفرزتم عيشتكم إذًا؟
أولا كان لنا جمهور هلال مريخ، وأنا أقول هذا للتاريخ وجمهور الرياضة هو الأغلب قطعا لكن ليس لنا ساحة مسرح تتسع لخمسين ألف متفرج. وأذكر مناسبة هنا كنت أعرض فيها (هو وهي) في قاعة الصداقة وفرقة الأصدقاء تعرض في المسرح القومي، وكانت هناك مباراة هلال مريخ في أم درمان، ولم يكن هناك موضع قدم في مسرحي ولا في المسرح القومي كما لم يكن هناك موضع قدم في الاستاد ولم يحدث أن جاءنا فائض جمهور الكرة.
هل جربت التنقل في جغرافية المسرح (التمثيل والإخراج والكتابة)؟ وأين تجد نفسك؟
أنا رجل متخصص في التمثيل وليس تخصصا علميا إنما الذي أعرفه هو التمثيل وأحب أن أُعرف بذلك رغم أنني درست الإخراج وكتبت كثيرا من أعمالي، وأخرجت ثلاثة أعمال لكن جغرافية المسرح عندي لا تتعدى التمثيل.
الخروج على النص هل هو توظيف مهاري للموقف الجديد أم هو تمتمة بشئ غير مفهوم يسد فراغات ناتجة من النسيان أو خلافه؟
على العكس من ذلك تماما، وكما تفضلت بذكره هو اتصال بين الجمل غير المقروءة. هناك جمل لا يسمعها الناس ولا يكتبها المؤلف وهناك حركات لا يضعها المخرج، لكن يضعها الظرف وهذا هو المقبول. والفعل الدرامي ليس فيه فراغ بل على العكس هو يسد فراغات في الحياة والخروج على النص هو استكمال الصورة داخل رؤية الممثل وهي صورة تفوق رؤية المعد والمخرج. وكثير من المؤلفين لا ينزعج إذا عرف من هو الذي يخرج على النص.
مسرحية بعينها قتلتها أنيميا التمويل وأحياها شباك الجمهور؟
هو وهي عرضناها في البداية ثلاث مرات
فقط ثم توقفت جهة التمويل وعرضناها بعد عام ومن تمويل الجمهور ولأكثر من ست سنوات.
وأخرى تبلغ درجة حرارتها 50 درجة (في الظل)؟
أظنها المهرج.
الشنب له قصة فالجمهور يصفق مرتين له ولك؟
هو جزء يبقى مثل عيني ويدي ولا أفكر فيه إلا بمثل ما أُسأل عنه ولا دخل له في مسرحي وربما أتحاشاه بذكاء.
وأخيرا أین تقف؟
أجاهد لكي أكون موجودا وبعد هذا العمر أحاول جاهدا أن أسجل محاولة متواضعة للمنهج العلمي في تجربتي المسرحية جديرة بالتسجيل وتوثيق الأداء التمثيلي ليستفيد منها الآخرين محليا وعربيا.