
الراحل البروفيسور عون الشريف قاسم في حوار ضد النسيان
الراحل البروفيسور عون الشريف قاسم في حوار ضد النسيان مع (ألوان):
الوفاق الوطني مطلوب لمواجهة المخاطر التي تهدد السودان
وجد الإسلام من النكاية به من ابنائه مالم يجده على أيدي المستعمر
معظم النظم الحاكمة أبعد ما تكون عن التعبير عن طموح الشعوب
أرفض كلمة المشروع الحضاري، فهي لا تليق بأصالة الأمة وتنطوي على (تجارة) حزبية
لأكثر من عشر سنوات لم أتلق من الرئيس نميري أي توجيه أو رأي يخالف ما أؤمن به
السودان عجّ في الماضي ويعج في الحاضر بأكثر من الثلاثمائة قبيلة
العامية السودانية حافظت على قدر كبير من الفصيح القديم
بروفيسور عون الشريف قاسم عالم تام النضوج، مأنوس، رصين وبهذا تتحقق فيه القاعدة (رجال في رجل) نفع الله به الأمة من فيض علمه، دقة توصيفه واعتداله في نثر الأفكار. أكسبه التدرج الوافر في المناصب العامة وزيرا فاعلا في رسم السياسات العامة للدولة امتدت لعشر سنوات. ومشاركا مؤثرا في البيئة الجامعية مدرسا ومديرا ورئيسا لمجالس إدارات، خبرات عظيمة أسهم من خلالها في تجويد الأداء وتعزيز الإدارة وتثمير حركة الأحياء من حوله كما يعتبر البروف عون من قلائل من الذين أثروا المكتبة السودانية والإسلامية بمعارف وإضافات نوعية جيدة وجديدة. جلست إليه (يرحمه الله) في داره العامرة في شهر إبريل من العام 1999م ممثلا لمجلة (بلادي). قضايا كبيرة ومثيرة طرحناها، عليه شملت الهوية السودانية، المشروع الحضاري، ثورة مايو وأسرارها ورأيه حول الرئيس الراحل جعفر نميري، ومحاور أخرى فكرية وثقافية حول مستقبل السودان والمهددات التي تكاد تعصف بتماسكه، فأجاب عليها بذكاء ووضوح وهدوء العالم العارف. وتعظيما للفائدة ودعوة لمراجعة حديث البروف الراحل جسدا والمقيم بيننا فكرا ورؤى، فإننا نعيد نشر الحوار في صحيفة ألوان الصادرة هذا الصباح.
أجرى الحوار: عبد العزيز عبد الوهاب
قاموس اللهجة العامية في السودان، عمل ضخم، ما الأسلوب الذي اتبعته في إنجازه؟
استغرق مني هذا القاموس الذي صدرت طبعته الأولى عام ١٩٧١م والثانية عام ١٩٨٥م. وأنا الآن أعد الطبعة ثالثة، ما يزيد على الثلاثين عاما، كنت طوال هذه السنين أجمع مفرداته من المعاجم اللغوية وكتب اللهجات والعاميات ومن أفواه الناس أثناء زياراتي لأقاليم السودان المختلفة ومما أصدرت المؤسسات العلمية والجامعات من منشورات عن الأدب الشعبي والمأثورات وما بثه المذياع من أغان وأناشيد وأشعار.
وما ملامح الطبعة القادمة؟
آمل أن تكون طبعته الثالثة إضافة كبيرة للحصيلة اللغوية وفيها تركيز كبير على المقارنة مع لهجات العالم العربي.
وهل صحيح أن العامية السودانية هي أفصح عاميات العرب؟
أما إن عاميتنا أفصح العاميات فالأمر في العاميات جميعا نسبي لأن فيها قدرًا مشتركا من اللغة الفصيحة خرجت به القبائل العربية من جزيرة العرب إثر الفتوح الإسلامية وعندما استقرت في مواطنها من بلاد العروبة المختلفة اختلطت بغيرها من الشعوب التي سبقتها في هذه الديار وتأثرت بلغتها كما هو واضح في اللهجة السودانية المتأثرة باللغات النوبية والبجاوية والدارفورية والكردفانية وكلهجات المغرب العربي المتأثرة بالبربرية وكلهجات الشام المتأثرة باللغات السامية القديمة. ولعل هذا الدخيل هو الذي يحول دون التفاهم الكامل بين أصحاب هذه اللهجات، وحتى هذا القدر الفصيح المشترك بين اللهجات العربية يتفاوت قدره بين سكان المدن وسكان البوادي، ففي البوادي نجد أن هنالك محافظة أكثر على الأصل القديم. وكما هو شأن اللغات جميعا فإن تطورًا كبيرا في النطق والدلالة يصيب اللهجات بحسب البيئات والظروف الاجتماعية، وإذا أخذنا كل ذلك في الاعتبار فإن اللهجة العامية السودانية قد حافظت على قدر كبير من الفصيح القديم وهي بهذا من أكثر اللهجات فصاحة اذا شئت.
موسوعة القبائل والأنساب السودانية أرّخت للعائلات السودانية، حدثنا عنها؟
هذه الموسوعة التي صدرت في ستة أجزاء استغرق مني هذا القاموس الذي صدرت طبعته في صفحات تزيد على الألفين والستمائة صفحة وفي الطريق مجلدها السابع، مسح شامل لكل قبائل السودان في جميع مناطقه مع تفصيل الأنساب والأسر والبيوتات والشخصيات قديما وحديثاً، وهي مبوبة على الألفبائية في شكل معجم رتبت فيه القبائل والشخصيات والأسر والأماكن حسب حروفها الأولى وترد تباعا من الألف إلى الياء. والموسوعة لا تكتفي بالأنساب بل تسرد التاريخ الخاص بالقبائل والأسر وهي بهذا نواة لدائرة المعارف السودانية التي نأمل أن تتحقق في مستقبل الأيام.
لكن هاجس الهوية يقفز هنا، فلا نحن عربا ولا نحن أفارقة، والأمر ربما يحتاج إلى توصيف أدق، هل نسميها هوية مزورة أو مستأجرة، عربية بثمن أو افريقية بثمن أقل؟
نحن دون شك نسيج جديد وهو وليد اختلاط العرب بالمجموعات المحلية التي نزل فيها العرب من نوبة وبجا واختلاط بين القبائل الزنجية والحامية وذلك ما تفعله حضارة الإسلام فحيثما حلت تحدث هذا التلاقح والتصاهر بين الأعراق في سماحة وحرية فيذوب العنصر العربي والوافد في هذه البوتقة الحضارية وينجم عن ذلك شعب جديد مثلما حدث في مصر أو الشام أو العراق أو المغرب العربي.
أراك سكت عن ذكر السودان، هل هو استثناء هنا؟
الخلاف بين كل هذه الشعوب الجديدة في تلك البلاد بينها وبين ما حدث في السودان أن التجانس كان أكبر في تلك البلاد بينما السودان، عج في الماضي ويعج في الحاضر بأكثر من الثلاثمائة قبيلة ولذلك تسهل المقارنة أو المفارقة بين الانتماء للعرب أو الإنتماء للأفريقية.
الثقافة والتراث عندنا متهمان ببطء الحركة والإنغلاق ولا نعرف (ماذا) نصدر، وإلى (أين) إنها سلبية أو سلمية في عالم أصبح بحجم عليه الكبريت؟
لا تنس أن السودان أمة في طور التكوين ولم يمض عليه سوى قرن واحد ببعض حدوده الراهنة وهو قرن مليء بالعواصف الاجتماعية والسياسية والحروب والاستعمار وهو يجاهد في سبيل لم الشمل وتحقيق الوحدة الوطنية. وثقافة متعددة ما تزال شفاهية محدودة المدى، ولن تتبلور الثقافة ويصبح التراث له مفعوله إلا بالتلاقي والتلاقح في جو الاستقرار والسلام وذلك ما يجاهد السودانيون لبلوغه باذن الله.
إلى ذلك توجد أزمة ثقة بانتاج مبدعينا وننتظر أن يجيزنا الآخرون. فعبد الله الطيب أجازه طه حسين، والطيب صالح أجازه الانجليز، في حين تكتفى نحن بالتثنية والتصفيق. هل نحن بحاجة إلى مطوّف خارجي ليدلنا على أنفسنا؟
عبد الله الطيب كان قمة في وطنه وفي العالم العربي وأوروبا قبل أن يكتب عنه طه حسين في مقدمة كتابه (المرشد إلى فهم أشعار العرب) وكذلك كان الطيب صالح وغيرهما من شعراء السودان وأدبائه ولكن تظل الحقيقة باقية وهي أن إنتاج المبدعين في السودان لا يجد طريقه إلى العالم الخارجي وما يتسرب منه وتقع عليه الأعين ينال التقدير والإشادة ويتم له الذيوع والانتشار خارج السودان.
أنتم ومجموعة من المثقفين عملتم في مايو. وكان للنظام أجندته الخاصة كيف قبلتم العمل في هذا النظام؟
تغيرت ثورة مايو بعد اندحار الشيوعيين في يوليو ١٩٧١م وكان توجه النظام نحو وفاق وطني وارتكاز على موروث الأمة الحضاري، وذلك ما كنا ندعو إليه في الصحف أثناء التسلط الشيوعي ولما برز هذا التوجه في أكتوبر ١٩٧١م ودعانا نميري للإشتراك معه في هذا التوجه لبينا الدعوة لا حبا في المنصب، ولكن سعيا لتحقيق ما نؤمن به من أفكار.
وهل تلاقت تلك الأفكار. فالرجل خرج للتو من معركة محتدمة وربما يصح وصفه بالمغاضب هنا أكثر من المتلاقي؟
وجدنا من نميري إيمانا بها وحماسًا لها، وذلك لم يكن موقفي أنا فحسب بل كان موقف كل زملائي الذين جاء بهم نمیری من مختلف التخصصات وقاموا جميعا بعمل مجيد ما يزال السودان حتى اليوم يعيش عليه.
مثل؟
الثورة التي تمت في مجال العمل الديني وانتهت بتطبيق قوانين الشريعة الإسلامية رغم ما أصابها من سوء التطبيق والإنجاز الكبير في مجال الاتصالات والزراعة والطرق والجوانب الاقتصادية والإجتماعية المختلفة كان ثمرة لهذا الجهد الكبير.
يقال إن الرئيس كان يتحكم في دولاب الدولة؟
لم يكن نميري يتدخل في شئون الوزراء، بل أعطاهم الحرية وماكان يحدث من خلاف يتم حسمه بالنقاش في مجلس الوزراء بالتصويت الديمقراطي. أما القضايا الأمنية وما يتصل بها من أمن النظام فلكل نظام أسلوبه في تحقيق ذلك. وقد يكون هناك بعض التجاوزات ولكن حسب علمي القاصر أن الرجل كان لا يسمح بظلم أحد إلا وكان نصيراً له. وأنا في تجربتي التي استمرت لأكثر من عشر سنوات لم أتلق من الرئيس نميري أي توجيه أو رأي يخالف ما أؤمن به في مجال عملي وهذه حقيقة أقررها.
ان العشر سنوات التي شغلتها وزيرًا للشئون الدينية والأوقاف لاشك تجربة تحمل المثير من المواقف والأسرار. أريد اعترافا يقال لأول مرة؟ ولو همسا؟
ظن الكثير من الناس إنني أنا الذي كتبت النهج الإسلامي لماذا؟ والنهج الإسلامي كيف؟ اللذين أصدرهما الرئيس نميري وكتب بعضهم ذلك في الصحف، والحقيقة إنني لم أر هذين الكتابين إلا بعد صدورهما وأهداني الرئيس نسخة منهما وكليهما قد صدر بعد أن تركت الوزارة بعد عام ١٩٨١م.
لعلك من أكثر الوزراء مكوثا في الحكومة: هل لأنها بعيدة عن التأثير والتكدير أم وافق هواك هوى الرجل؟
وزارة الشئون الدينية والأوقاف كانت وزارة ذات أثر كبير على التوجه العام والخاص. وكان أسلوبها هادئا لا تشنج فيه ولا افتعال. يسعى إلى أن يمارس المواطنون دينهم طواعية واقتناع وأن يسعوا إلى إحيائه في حياتهم ببناء المساجد ونشر حلقات العلم وساعدتهم الدولة بنشر كتب القراءات وطبع المصحف وإقامة مراكز تجويد القرآن ومعاهده وإنشاء كلية القرآن التي تطورت إلى جامعة القرآن وإنشاء المركز الإسلامي الإفريقي الذي تطور إلى جامعة إفريقيا العالمية وهكذا. وكان ذلك يكسب الدولة شعبية فوق مافيه من تنفيذ ما تدعو له من تأصيل وكان عملا مقنعا ومن ثم نسأل الله أن يبارك الله في عمر الوزارة والوزير حتى قضى الله أمره.
كان يدور همس عن سطوة جعفر نميری في الاجتماعات هل صحيح أن الرجل كان بهذه الصفة؟
حسب تجربتي معه لم يكن الرجل كذلك، بل كان يحسن الاستماع إلى آراء الآخرين بالتصويت في مجلس الوزراء وكانت هناك حالات نادرة تم فيها حسم الأمر خارج المجلس بسبب ضغوط من جهات مختلفة كانت آثارها كارثية، مثل موضوع تقسيم الجنوب بعد أن تم الاتفاق في مجلس الوزراء على التراضي بين الأطراف الجنوبية المتصارعة وتأجيل النظر في قضية الجنوب لعامين، وبعد أسبوعين من ذلك خرج قرار التقسيم. ومثل موضوع كامب ديفيد الذي نوقش في مختلف الأجهزة ولكن المراحل الأخيرة والبيان الذي صدر لم يشرك فيه إلا قلة من الناس. وكان من الممكن تفادي اللبس والغموض الذي علق بموقف السودان من جراء البيان الذي بدا وكأن السودان مع اتفاقية كامب ديفيد قلبا وقالبا، في حين أنه لو صيغ البيان بترتيب آخر لما حدث ذلك، وكل التحفظات المهمة ذكرت في آخر البيان وأهملها الإعلام العالمي، وركز على أول البيان وفيه تأييد ولكنه في الواقع تأیید مشروط ومتوازن.
العبء الوزاري محطة فارقة في حياتك، ماذا أضاف لك وهل ما تزال تقوم عليك أعباء جراء ذلك المنصب المهيب؟
** الوزارة وقد جاءتني في شرخ الشباب. وكان عمري آنذاك السابعة والثلاثين، بالفعل محطة فارقة في حياتي وكانت تجربة غنية أضافت إلى حياتي أبعاداً وأبعاد أحمد الله عليها. ولعل أهم تلك التجارب الربط بين الفكر وتطبيقه واكتساب المقدرة على التعامل مع مختلف الطبقات إضافة إلى التعمق في كثير من القضايا التي تتصل بعملي الوزاري في الشئون الدينية والأوقاف وكانت نتيجة ذلك ثروة علمية كبيرة برزت في الخطب والمحاضرات والمؤتمرات داخل السودان وخارجه مما جمعت حصيلته، في عدد من الكتب، وأنا أشارك في كثير من جوانب النشاط الديني على مستوى المؤسسات كمركز أبحاث الإيمان وهيئة إحياء النشاط الإسلامي وغيرها من المؤسسات والجمعيات والجامعات.
المشروع الحضاري الذي ينشده السودان كيف يحقق أشواقه؟
أنا أرفض كلمة مشروع هذه، فهي كلمة لا تليق بأصالة الأمة وهو ليس مشروعًا بل حياة الأمة ومرتكز وجودها وهو قديم قِدم الإسلام وراسخ في قلوب الناس وعقولهم، ولكن شابته الشوائب من جراء الجهالة خلال قرون التخلف والظلام وسطوة المستعمر والمطلوب إزالة هذه الشوائب والغشاوات عنه واسترجاع فعاليته في حياة الأمة بتعلمه ومعايشته وتطبيق أحكامه التي أهملت من جراء هذه الظروف وهو وصل لما انقطع وليس مشروعا جديدا يقدم للأمة كما تقدم الأحزاب برامجها ومشاريعها. ووصل حياة الأمة بجذور إبداعها سبيل إلى استرداد فعالية الشخصية القومية وانتقال بالأمة من مرحلة التحرر السياسي إلى مرحلة التحرر الحضاري التي تحقق به الأمة اسهامها الفاعل في حضارة الإنسانية كأمة وسط أناط الله بها تحقيق خلافة الله في الأرض في رسالته الخاتمة. وذلك لا يكون إلا بجهد جهيد وعلم كثير وجهاد شاق بصبر وأناة دون مزايدات أوسعي لكسب مادي عاجل.
وما شروط بقائه؟
شروط بقائه هو بقاء هذه الأمة على دينها وحضارتها وذلك أمر مؤكد بإذن الله.
لكن (المشروع) الحضاري تبدو في حركته بعض العجلة. والنقلات الكبيرة لا تتم بقرارات عجلة، وتوطين النهوض الحضاري يحتاج لعمر جيل وعمل أجيال؟
أصالة الأمة لا تخضع لمتغيرات السياسة، وهي عمل دؤوب يقوم عليه العلماء والدعاة في صبر وأناة، ويركز على التخطيط الواعي للبرامج الدراسية والثقافية والاجتماعية وليس بغرض الدعاية أو الكسب الحزبي، مما يسميه البعض بالمتاجرة بالدين ليكسب عواطف الجماهير المتعطشة لدينها. وكل عمل لا يقوم على هذا النهج القويم محكوم عليه بالفشل، ومن ثم فهناك كلام كثير في عالمنا الإسلامي عن صحوة إسلامية أو توجه إسلامي أو مشروع حضاري ولكن مردوده حتى الآن يسير إن لم يكن سلبيا، مما يدعو إلى إعادة النظر في الطرح وأساليب التنفيذ.
لكن الغرب الذي يسعى لتجذير نظامه العالمي الجديد لن يقتنع بفكرة حوار الحضارات ولن يرضى بأقل من قتال الحضارات، فأمريكا لن ترضى حتى عن أكثر المشيخات اعتدالًا؟
المولى جل وعلا قال ذلك في محكم تنزيله: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) (البقرة ١٢٠). وذلك أمر مفروغ منه بحكم الدين وذلك يحتاج منا لمجاهدة طويلة. ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة وهو جهاد للنفس أولا ثم جهاد لأعدائنا ثانياً.
من حوار الحضارات إلى حوار الأديان هل في الإسلام ما يسمح بهذا الحوار؟
الإسلام دين تسامح لأنه الديانة الوحيدة التي تعترف بغيرها من الديانات، وتمنح معتنقيها ذمة الله ورسوله وتجعل المحافظة على هذه الذمة جزءا من الدين لا يتم إسلام المرء الا بالوفاء به. والحوار لا يكون في أسس الدين أو المساومة على مبادئه، وإنما يكون حول التسامح والتعايش مع الآخرين.
الاسلام قادر بالطبع إنما أريد الذين يسوقون لما يسمى بفقه المرحلة بما يفتح المجال لدعاوى من شاكلة العالم أسرة واحدة؟
ليست هذه قضية الإسلام لأن تاريخه كله انفتاح على الآخرين، وإنما في قضية الغرب الذي يسعى لإلغاء الآخرين وإلغاء حضاراتهم. وإحلال حضارته محلها ولكن حضارة الإسلام جاءت أصلا للتعبير عن هذه المرحلة الخاتمة من تطور البشر. ينسف فيها التقدم الكاسح أسس الحياة الإنسانية ويمزق إنسانية الإنسان ولا بد من مجابهة التحدي بشخصية متكاملة تلتقي فيها الدنيا بالدين. وهذا التكامل في الحياة الإنسانية وفي الشخصية البشرية هو مناط خاتمية الإسلام بعكس الإزدواجية والإنقسام الذي تعبر عنه حضارة الغرب الموروثة عن مراحل سابقة.
جاء الإسلام لمعالجة قصورها البارز في دين الفرد المنعزل عن دنياه مما يهدد حياة الإنسانية بالدمار. كما هو واضح لأن من تسلط الغرب الأحادية النظرة التي تغلب عليها النظرة المادية وتتجاهل الهداية الروحية.
وما دور المسلمين هنا؟
واجب المسلمين إنقاذ الإنسانية من الدمار بالسعي المتواصل لإبراز هذا البديل الحضاري في حياتهم أولا ثم في حياة الآخرين بأن يكونوا قدوة لغيرهم حتى يحققوا قول الله فيهم: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) صدق الله العظيم.
سقطت أو تأخرت كثير من المصطلاحات و الشعارات، مثل القومية العربية والناصرية مما بفتح المجال لإعادة ترتيب الداخل الإسلامي لمواجهة الخارج الإنساني؟
سقطت هذه الشعارات لأنها كانت في معظمها لا تُدخل الإسلام في حسابها وإن أدخلته فعلى استحياء ولكنها متى أدخلت الإسلام في منظورها فهو أساس متين للتقدم فالوحدة العربية أو ما يسمى بالقومية العربية التي تجعل من الاسلام مرتكزا أساسيا لكيانها أمر لازم لقيام وحدة أشمل على مستوى العالم الإسلامي. والواقع أنه على كل المستويات المحلية والإقليمية والعالمية لاغنى للمسلمين عن إسلامهم لأنه مرتكز وجودهم.
لكن تبقى المشكلة في النخب التي لم ترتفع إلى أشواق الجماهير، فنحن يابروف نعيش أزمة نخبة في مقابل إشراقات أمة؟
نعم الأزمة أزمة نخبة حاكمة أو متعلمة فمعظم من تولى إدارة شئون عالمنا العربي والإسلامي في أعقاب مرحلة التحرر من المستعمرين. وكانوا رغم النضال الوطني الذي خاضوه ضد المستعمرين، قد تلقوا تعليمهم على أيدي المستعمرين ووفق مناهجهم وفيها ما فيها من مصادمة للإسلام وإقصاء له من مناهج التعليم والحياة العامة ولذلك سار معظمهم في المسار نفسه الذي اختطه المستعمرون، بدليل أن معظم النظم الحاكمة كانت أبعد ما تكون عن التعبير عن طموح الشعوب في استعادة فاعلية الشخصية القومية بالارتكاز على أسس دينها والتعبير عنه على مستوى الدولة. وما نشاهده الآن في بعض الأماكن من عداء مستحكم للدين يفوق عداء أعداء الإسلام. وهو نتيجة لهذا الإرث الاستعماري الذي نشأت عليه كثير من النخب الحاكمة والمتعلمة في معظم أقطار العروبة والإسلام.
كأن الغرب لا يزال يحكمنا بوكلائه المحليين؟
نعم، ومن ثم وجد الإسلام في بعض الأماكن من النكاية به من ابنائه مالم يجده على أيدي المحتلين المستعمرين، ولعل هذا الوضع هو الذي فجّر حركات العنف الإسلامي فالضغط يولد الانفجار والعنف يقود إلى العنف ولابد للمسلمين من رجعة واعية لإسلامهم في تناغم مع روح العصر لتجاوز مرحلة التحرر السياسي وما اكتنفها من سلبيات إلى مرحلة التحرر الحضاري التي تنتظرنا جميعا حلا لأزمة النخب على كل المستويات.
وأخيرا وأنت بعيد عن السلطة وتبعاتها. وبعين فوتغرافية كيف ترى حال السودان اليوم وبماذا تتنبأ له؟
السودان يحتاج الكثير من الجهد للحفاظ على وحدته أمام التحديات الجسام التي تواجهه. وذلك يتطلب الوحدة الوطنية التي يلتقي حولها كل أهل السودان لإنجاز المهام العظام التي تنتظرهم بحكم موقعهم الاستراتيجي والحضاري في أفريقيا والعالم العربي والإسلامي، وأنا على ثقة من أنهم قادرون على انجاز ذلك بإذن الله وفضله.
وأخيرا جدا ما الذي يشغل بالك الآن؟
السودان وما يواجهه من مخاطر تتطلب من الجميع التكاتف والتوحد ولن يتم ذلك إلا بوفاق وطني يجمع شمل أهل السودان على اختلاف وجهات نظرهم والإحساس العميق بالخطر.
أدعو الله صباحا ومساء لتحقيق هذا الوفاق اليوم قبل الغد وما ذلك على الله تعالى ببعيد.