
الشيخ الأمين عمر الأمين في حوار الصراحة والوضوح مع (ألوان)
الشيخ الأمين عمر الأمين في حوار الصراحة والوضوح مع ألوان:
الغيرة والحسد وراء الهجوم علينا.. ولسنا أصحاب توجه سياسي
إغلاق المسيد كان سابقة في تاريخ السودان.. ولم نيأس حتى أعيد فتحه
الشباب الذين حاربونا بالأمس أصبحوا اليوم من أتباعنا
استهدفنا الشباب لأنهم كانوا فريسة للمخدرات والتطرف
جلبنا شارع النيل إلى المسيد.. ووفرنا بيئة تجمع بين الترفيه والذكر
(شيخ الجِكس وشيخ البيبسي).. أوصاف يرددها من لا يفهم معنى التجديد في الدعوة
في الحرب: شباب المسيد هم من دفنوا الموتى وسقوا الناس وداووا الجرحى
أربع شهداء من أبنائي سقطوا وهم يخدمون الناس داخل التكية
«أريد أن أشتري الجنة من الله»
تكية طويلة تتلقى أول دعم من الشيخ الأمين بقيمة مائة مليون جنيه لنازحي الفاشر
أنفقت مليوني دولار على التكايا من مالي الخاص ولم أقبل دعمًا من أي جهة
جلبت أول شركة فرنسية للتنقيب عن الذهب وامتلك عقارات في لندن ومصر
حفرنا 25 بئرًا في كردفان ونسعى لحفر المزيد خدمةً لأهل السودان
التصوف لا يتعارض مع التجارة .. رسالة لمشايخ الطرق الصوفية واكبوا الشباب وإلا فقدتموهم
علاقتي بالجيش قوية .. كل القيادات زارت المسيد واطلعت على عملنا
نداء لرجال الأعمال: لا أحد يأخذ ماله معه، أقيموا التكايا وأطعموا الناس
السياسة لها أهلها وأنا ما بفهم في السياسة
حوار: خضر مسعود
شخصية مثيرة للجدل منذ مطلع الألفينات، ورغم ما واجهه من انتقادات، إلا أنه حقق نجاحًا لافتًا في تأسيس أكبر مسيد بمدينة أم درمان القديمة (ود البنا)، بمواصفات عصرية جعلت منه مركزًا روحيًا واجتماعيًا بارزًا. استطاع أن يجذب حوله مجموعة من الشباب ينتمون إلى طبقات اجتماعية مختلفة، يغلب عليهم أبناء الطبقة الوسطى والعليا، من أطباء ومهندسين ورجال أعمال. ورغم أن الطريقة الصوفية التي يتبعها ليست حكرًا على فئة بعينها، إلا أن هؤلاء شكّلوا النسبة الأكبر من مريديه، بعد أن بث فيهم روح التصوف وفكر الزهد والمحبة، في وقت لم يكن كثير منهم يعرفون شيئًا عن التصوف أو الطرق الصوفية.
هذا الانتشار السريع جعل الشيخ عرضة لانتقادات من بعض مشايخ الطرق الصوفية ومن فئات في المجتمع، خاصة بعد أن برزت في مسيرته عدد من الخلافات، أبرزها مطلب سكان المنطقة بترحيل المسيد، الأمر الذي أدى إلى تدخل السلطات حينها وإغلاقه، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ السودان، حيث أُغلق مسيد لتحفيظ القرآن وإقامة الذكر. ورغم ذلك، لم يتوقف الشيخ عن مسيرته، بل عاد المسيد بعد فترة أقوى من ذي قبل، وأصبح منارة يقصدها الناس من مختلف المناطق.
يتميز الشيخ الأمين عمر الأمين المكاشفي بكاريزما لافتة، وهندام أنيق يميّزه عن غيره من مشايخ الطرق الصوفية. وخلال حرب الخامس عشر من أبريل، لمع اسمه مجددًا كصاحب أكبر تكية لإغاثة المواطنين في أم درمان القديمة، حيث استمرت التكية في تقديم الغذاء والدواء والماء حتى يومنا هذا، أي ما يقارب 930 يومًا متواصلة.
كما دعم العديد من التكايا الأخرى في الفاشر وكردفان ومناطق مختلفة من ولاية الخرطوم، مما أكسبه تقدير البعض وانتقاد آخرين، إذ اتُهم باتباعه لقوات الدعم السريع بحجة وجوده في مناطق كانت خاضعة لسيطرتهم في وقت سابق.
جلسنا إليه في هذا الحوار الخاص لنسلط الضوء على جهوده خلال الحرب، ونستوضح منه أسباب الهجوم المتكرر عليه، فكانت هذه إجاباته…
الأمين عمر الأمين طه من بيت المال شمال (ود البنا) ولدت ونشأت في ذات المنطقة التي يقوم عليها الآن المسيد. درست مدرسة أبوروف الابتدائية ومدرسة الأهلية المتوسطة وأم درمان الأهلية الثانوية. درست بجامعة الملك عبد العزيز بجدة، بجانب دراسة الشريعة في منارة الشيخ عبد الله يوسف قرشي المكاشفي (ود العجوز). تم تقليدي المشيخة عام 1991م وكنت أصغر المشايخ في ذلك الوقت، وكانت وجهة الشيخ عبد الله الخاصة موجهة للشباب تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم القائل: «نصرني الشباب حين خذلني الشيوخ».
التدرج في المشيخة
بدأنا بزاوية صغيرة، وحتى عام 2000م بدأنا في التوسع بإنشاء المسيد وبناء مسجد وتكية ومركز لتحفيظ القرآن وعلوم الدين وحلقات العلم، والتف حول المسيد العديد من أفئدة الناس رجالاً ونساءً وخاصة الشباب.
الحرب على المسيد من أهل المنطقة؟
حوربنا من أهل المنطقة حرباً شعواء وكانوا يطالبون بإغلاق المسيد، وعاونتهم السلطات في ذلك الوقت حتى صدر قرار بإغلاق المسيد، وكانت سابقة في تاريخ السودان أن يُغلق مسيد أو مسجد.
رغم تلك الحرب جاهدنا بالطرق السلمية حتى ظهر الحق وأعدنا افتتاح المسيد مرة أخرى للقيام بدوره في إرشاد الناس وهدايتهم وتعليمهم مقاصد الدين الحنيف والتصوف.
لماذا استهداف مسيد شيخ الأمين؟
الاستهداف كان ناتجاً من مرض النفوس. نحن في المسيد ليس لدينا أي توجه سياسي، ويجمع الشباب من الجنسين في طاعة الله من شتى بقاع السودان، ويتلموا في ذكر الله، وأعتقد أن السبب وراء الاستهداف هو الحسد ومرض النفس، لكن بقدرة الله ثبتنا وواصلنا مسيرتنا. في أوقات أخرى ذات الأشخاص الذين حاربوا المسيد أصبحوا من أتباعه.
المسيد ركز على فئة من شباب الطبقة الراقية في المجتمع؟
نحن حسب وصية أبونا عبد الله ود العجوز ركزنا في الدعوة على الشباب، ولاحظت أن هناك فئة من الشباب بعيدة عن التصوف بل بعيدة عن الإسلام نفسه بسبب الحالة الطبقية التي يعيشونها. وكانت هذه الفئة مستهدفة من تجار المخدرات والجماعات المتطرفة خصوصاً (داعش) في ذلك الوقت، وقد ذهب عدد من الشباب السودانيين لصفوف داعش في وقت ما.
وفي المساجد كان عدد الشباب قليلاً مقارنة بكبار السن، خاصة أن الصورة الذهنية للصوفي أو المتصوف بأنه (درويش) رث الثياب، لابس المرقوعة، ويكون عاطلاً عن العمل، وهذا بعيد عن التصوف الذي يدعو إلى إذكاء النفس والتأسي بسيد الخلق الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم الذي كان يهتم بمظهره، كان يدهن شعر رأسه ويعطره، وكان يهتم بملابسه ويحنن لحيته، وكان يكحل عينيه، وريحة المسك بتكون سابقاه.
ولم نقصد أن نغير التصوف كمنهج، لكن نغير الصوفي في مظهره وسلوكه بأن يعمل ويكون منتجاً بأي من المهن: طبيب، مهندس، رجل أعمال، وأن يكون الاهتمام بالمظهر كما اهتم التصوف بالجوهر.
وهذه الفكرة جعلت الشباب يلتفون حول المسيد ونهجه.
وأنا في إطار بحثي عن ملهيات الشباب وجدتهم يذهبون إلى شارع النيل وأندية المشاهدة لمتابعة المباريات والدوريات الأوروبية، فجلبت ليهم شارع النيل في المسيد.
وفرنا كل احتياجات الشباب (القهوة والشاي)، وفرت واي فاي للربط بالإنترنت، وفرت شاشات واشتراك في “بي إن سبورت” لمتابعة الكورة، أصبحوا مرتبطين بالمسيد.
كل الأنشطة التعليمية والترفيهية والدينية في المسيد، توجد مكتبة ضخمة بها العديد من الكتب بجانب مكتبة إلكترونية، وهذا منعهم من تعاطي المخدرات والتطرف، بل أصبحوا شباباً ذاكرين ولهم أوراد وارتباط صوفي وروحي بالمسيد والذكر.
شيخ الأمين عرضة للاستهداف والنقد؟
واجهنا حرباً شعواء في سبيل إيصال رسالتنا، والتفاف الشباب حولنا وارتباطهم بالمسيد أشعل نار الغيرة في الغير. وعندنا في السودان أي شخص ينجح أو يبرز في أي مجال من المجالات (بتردم) حسب تعبير الشباب — هذا في جميع المجالات: الفن والرياضة والأدب وحتى المجالات الدينية، مافي شخصية سودانية ناجحة اتفقنا عليها، والأمين ليس استثناء. كما ذكر لي شيخي ود العجوز عليه رضوان الله:
(الواحد يا يبقى غزال ولا يبقى أسد، وحين سألته عن الفرق قال لي: الغزال أسرع من الأسد لكنه في جريه كل مرة يقيف ويلتفت خلفه، ما يعرضه للافتراس، أما الأسد فهو يجري دون أن يلتفت ولا يقف حتى يصل إلى فريسته). لذا نصحني بأن لا أصبح غزال — داك شتمني، وداك قال فيني، وداك فعل، وداك ترك — سوي شغلك البتسوي فيها من غير ما تلتفت لكلام الغير.
والحمد لله، بسبب هذه النصيحة خرجت بالفكر الصوفي من السودان للدول الأوروبية.
كم مسيد أنشأت خارج السودان؟
عندنا مسيد في هولندا، ومسيد في بلجيكا، ومسيد في لندن، غير الدول العربية، والحمد لله جذبنا عدداً كبيراً من الشباب في تلك الدول، ووفقنا الله في إدخال عدد كبير من الشباب في الإسلام، والحمد لله، والقصة ماشة.
وكما ذكر أخونا قاسم بدري بأن شيخ الأمين ظهر في السودان، وفي السودان يتم دفن أي مبدع وأي إنسان موهوب. والآن نحن في تلك الدول — هولندا وبلجيكا — نحظى باحترام وحب كبير، وكل الأسر والناس هناك سعداء بإرشاد أبنائهم وإبعادهم عن طريق المخدرات والطرق الأخرى إلى طرق الهداية والتصوف والذكر.
شيخ الأمين (حوارو جِكس ومحايتو بببسي)، هذه المقولة لازمت مسيرتكم منذ البداية؟
نعود لأصل المقولة. (الجِكس) من الجنسين هم الشباب والشابات، ماذا يضر أن اجتمع الشباب حول شيخ الأمين من نصر المصطفى صلى الله عليه وسلم؟. هل تعلم أن أول من أسلم من أهل المدينة وبايعوا النبي هم الشباب؟ أكبرهم يبلغ من العمر 21 عاماً وهو أسعد بن زرارة.
والشباب بدل ما ينغمسوا في الملذات والمخدرات والتطرف، جاءوا للتصوف وحلقات الذكر (ومسكوا سبحهم). لم تنظر لهذا المشهد من زاوية، بدل تتنبر وتتريق، انبسط للمشهد. أما بخصوص البيبسي، هل يخلو بيت سوداني من البيبسي؟.
الناس ترى التصوف على الطريقة التقليدية كما في مسيدي الشيخ عبد الله ود العجوز في المنارة والشيخ المكاشفي في الشكينيبة؟
والاختلاف بسبب البيئة التي يتواجد بها (الحوار) نفسه.
مثلاً أنا لو مشيت لندن ما بلبس عراقي وسروال طويل، بأدور بلبس حسب البيئة بدلة كاملة وكرافته. ولما أجي السودان وأمشي البلد، ما بكون لابس بدلة وكرافته، بلبس الجلابية والعراقي والسروال وخاتي الطاقية.
كل بيئة لها مظهر معين وشكل معين، والخرطوم تختلف عن أقاليم السودان الأخرى فهي العاصمة، والنظام الغذائي المتبع يختلف. يعني ما ممكن أجيب (عيكورة مثلاً). لابد أن يكون النظام الغذائي المتبع في منازلهم: البيبسي البقولوا دا، ونظام الوجبة الموجودة في بيتهم. وده خلّى المسيد يزدهر وأصبح منطقة جاذبة. نحن جمعناهم من أجل أن يصلوا ويرتبطوا بالله سبحانه وتعالى والذكر وحب النبي صلى الله عليه وسلم وأن يتآخوا ويبعدوا من الحياة السيئة، والحمد لله نجحنا.
لكن لم يسلم سيد الخلق من الذم والقدح، حتى أن أهل مكة كانوا ينادونه بـ(مُذمَّم)، وكان سيدنا أبو بكر يغضب لذلك، لكنه عليه صلوات ربي كان يقول له: «دعهم يا أبا بكر، أنا محمد وهم ينادون على شخص غيري».
ونحن من هذه الأخلاق ننطلق، وسمعنا (شيخ الجِكس وشيخ البيبسي)، وبعضهم يقولها ولا يفهم معانيها.
منذ بداية الحرب اتهمت بموالات المليشيا خصوصاً بعد قيام التكية؟
حقيقة أي نجاح عنده أعداء، وأعداء النجاح كُثر، حتى الشمس ممكن ينكروها عليها الضو. والذي حدث أن الناس خرجت من أم درمان القديمة بعد سيطرة الدعم السريع عليها، طلع كل الناس، بقيت الأسر رقيقة الحال، وبعض الأسر رفضت ترك منازلها، وكبار السن — قرابة 1700 أسرة — أصبحت محاصرة داخل منازلهم، ولا يوجد مرافق ولا كشك ولا عيادة ولا صيدلية. في المسيد معي الشباب: أطباء، صيادلة، ومهندسين. قلت لهم: نريد أن نأكل الناس ونسقيها، وقد نجحنا في ذلك.
الشباب — جزاهم الله ألف خير — وقفوا وقفة صلبة وشجاعة في إطعام الطعام وسقيا الماء والعلاج.
الشباب البقولوا عليهم (جِكس) ثبتوا في عز الضرب والقصف، أما ناس أبكريك في اللجج وناس بقد الواطة وناكل الجمر، ديل جروا، أما الشباب البضحكوا ويترقوا عليهم ثبتوا.
أكرموا الموتى بدفن الجثث التي كانت تملأ الشوارع، وجهزوا الأكل لكل أم درمان بجانب سقي الماء.
شبكة المياه كانت مقطوعة في كل المنطقة، جلبنا “تكتك” ورفعنا عليه عدد من البراميل وأي بيت نوفر له الماء.
جهزنا صيدلية داخل المسيد ووفرنا فيها الأدوية المنقذة للحياة والأدوية الأساسية، وكنا نجلبها من القاهرة.
أصبحنا التكية الوحيدة الشغالة في كل أم درمان، والصيدلية الوحيدة والعيادة الوحيدة التي تعالج.
بعض الحاقدين قالوا الشيخ قاعد والدعم السريع ما سألوه، إذًا الشيخ متعاون.
كان هناك قادة من الدعم السريع والمنطقة كلها تحت سيطرتهم، ولو أردنا أن نخرج للشارع إلا بإذنهم ونخبرهم لماذا نريد أن نخرج.
قابلت القائد المسؤول منهم وأخبرته أننا مواطنون ونخدم في المواطنين، نعمل في إطعام الجوعى وتوفير الماء، وطلبت منه أن يأتي بارتكاز لمنع التعدي على المسيد ومنع “الشفشافة” من الدخول وقد فعل. وكل ذلك كان بمتابعة لصيقة من استخبارات القوات المسلحة خطوة بخطوة، وهي تعلم أنني أعمل في خدمة المواطن، وأنا أثق في الاستخبارات.
رغم ذلك الناس لم تتركني، شتموني بأني استقبلت قادة الدعم السريع. كيف أنا أستقبلهم وهم مسيطرين على المنطقة وأنا قاعد معاهم؟ ممكن يطلبوا مني أخلي المنطقة أو ممكن يصفوني أنا والحيران.
قدرت أقعد في تلك الظروف وأوفر الطعام والماء والعلاج لكل محتاج، واستُشهد أربعة شباب من خيرة أبنائي بالمسيد أثناء أداء الواجب في خدمة الناس.
أولادي لم يغادروا، كانوا معي، وابنتي طبيبة كانت بتخدم في علاج المرضى.
من أين تصرف على التكية؟
أصرف من مالي الخاص حتى الآن، وقد مضى على التكية ما يقارب (930) يومًا وهي تقدم وجبات الفطور والغداء والعشاء دون أن تتأخر أو تُلغى وجبة واحدة. وهي التكية الوحيدة التي تضم فرنًا وعيادة وصيدلية، ومنذ يومها الأول وحتى اليوم لم تتوقف عن العمل، في حين توقفت نحو (90%) من التكايا الأخرى. أغلب التكايا تقدم البليلة أو العدس، أما نحن فقد سخّرنا فرنًا كاملاً لخدمة التكية، ونوفر ثلاث وجبات يوميًا، إلى جانب خدمة إكرام الموتى بتوفير الأكفان وتجهيزهم ودفنهم. الحمد لله، البلد في حاجة إلينا، ونحن نقدّم ما نستطيع بطيب خاطر وبفضل وتوفيق من الله سبحانه وتعالى.
ما زال السؤال قائمًا: من أين لشيخ الأمين هذا؟
لو تذكّر الناس، أو رجعوا إلى شبكة الإنترنت، لعلموا أن أول شركة فرنسية للتنقيب عن الذهب في السودان جلبها شيخ الأمين، وهي تعمل حتى الآن. الحمد لله أمتلك عقارات في لندن وأخرى في مصر، تدرّ عليّ رزقًا من فضل الله، وهي معروفة للجميع. لكنني لم أحتفظ بمالي دون نفع، بل بدأت التكية من مالي الخاص، وأقسمت ألا أقبل دعمًا من أي جهة أو منظمة أو أشخاص حتى ينفد ما بيدي، وبعدها يمكن أن أتوقف.
هل تقصد أنك لم تتلقَّ دعمًا من أي جهة خلال تلك المدة؟
أبدًا، لم أتلقَّ دعمًا من أي جهة، ولم نقبل ذلك أصلًا. إلى جانب التكية المركزية بالمسيد، نحن نصرف على (13) تكية أخرى، وهذا كله موثّق. أول من صرف على ثلاث تكايا في الفاشر هو شيخ الأمين منذ بداية الحصار، وهناك ست تكايا في الجريف، وتكية في شرق النيل، وأخرى في الثورة وكرري، وتكية بشمال كردفان.
لقد فتحت ودائع مصرفية بقيمة (2) مليون دولار صُرفت جميعها على التكية، وانتهت وديعتان قبل أربعة أشهر، وفتحنا الثالثة، وظني في الله كبير، فحتى إن انتهى كل ما في يدي، فالعقارات موجودة وتكفينا. كل شيء يُعوَّض، وأنا أريد أن أشتري الجنة من الله. فقد قال الرسول ﷺ: «اشترى عثمان الجنة من الله مرتين؛ حين جهّز جيش العُسرة، وحين اشترى بئر رومة». والحمد لله وفقنا في إطعام الطعام وحفر الآبار.
على ذكر الآبار، كم بئرًا تم حفرها في كردفان؟
الحمد لله، تمكّنا من حفر (25) بئرًا في كردفان، وفرّنا بها المياه لقرى كانت تعاني من العطش. تواصل معنا عدد من أهل المنطقة، وبفضل الله تمكّنا من حفر هذه المجموعة من الآبار.
الجمع بين المشيخة الصوفية والتجارة؟
الربط بين التصوف والمشيخة والتجارة هو ربط أصيل، فقد كان سيدنا رسول الله ﷺ تاجرًا مع السيدة خديجة رضي الله عنها. والتجارة أمر مباح في الدين، وليس حرامًا على شيخ الطريقة أن يتاجر.
هل تعتقد أن الهجوم على شيخ الأمين من باب الكيد التجاري؟
لا أستبعد ذلك، فهو نوع من الحسد، ويرتكز أكثر على أنني أمتلك المال والرجال. أمتلك مدرسة خاصة وداخليات لتسكين الطلاب والطالبات المؤجرة، ولديّ استثمارات في عدد من المجالات. هذه الأموال لم أحتفظ بها لنفسي، بل عندما جاءت الحاجة أخرجتها راضيًا لوجه الله تعالى ومن أجل أبناء بلدي. الشباب في المسيد عندهم ولاء ومحبة، فقد جلسوا معي وسط الرصاص والدانات لخدمة الناس. وهذه من الأمور التي تولّد الحسد والحقد، فالبعض يملك المال ولا يملك الرجال، والبعض يملك الرجال ولا يملك المال، وأنا أقول إن الأمر بيد الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: «لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألّف بينهم».
علاقة شيخ الأمين بقيادة الدولة؟
أودّ أن أردّ على من قال إن شيخ الأمين “دعامي”، وما زال البعض يردّد ذلك. هل هؤلاء يعلمون أكثر من الجيش وقيادته واستخباراته؟ جميع قيادات الجيش زارت المسيد واطّلعت على ما نقدّمه. وكما ذكرت سابقًا، أنا على تواصل مستمر مع الاستخبارات العسكرية. في الفترة الماضية زار المسيد رئيس الوزراء وأثنى على ما نقوم به، وقال إننا نعمل موازيًا لعمل الدولة. نحن نقدّم للناس في هذه الظروف الماء والغذاء والدواء مجانًا، وهذا لا يتوفّر لكثير من الناس.
في كل الظروف كانت التكية تعمل بكامل كفاءتها ولم تتوقف يومًا واحدًا، وظننا في الله أن نستمر حتى الألف يوم، وبعدها سنواصل لخدمة أم درمان. ومهما قدّمنا، فلن نوفي أم درمان حقها، فقد رعتنا صغارًا، وأكلنا من ترابها، وعرفنا قيمتها حين خرجنا منها، وعرفنا عظمة السودان.
وأوجّه وصية لوزارة التربية والتعليم بأن تضيف مادة للتربية الوطنية ضمن المناهج الدراسية، حتى ينشأ الشباب على حب الوطن والانتماء إليه. لا يُعقل أن يفرّ الشباب من أول ضربة، بينما استبسل أبناء الجيش واستشهد من استشهد. يجب أن نزرع في الأجيال الولاء للوطن، فالسوداني مبدع ومتفوق في أي مكان في العالم عدا السودان، لأننا نحارب كل ناجح. وبعد أن يعود الناس، لابد أن نبني المعاني قبل المباني.
رسائل لمشايخ الطرق الصوفية؟
أقولها بصراحة: لمشايخ الطرق الصوفية، إن رضوا أو أبوا، إذا لم يواكبوا الشباب فلن يظلوا وحدهم. يجب أن يواكبوا العصر، فالشباب اليوم يعرفون الدوريات الأوروبية وأسماء اللاعبين والفرق، بينما كثير من المشايخ لا يعرفون ذلك. إذا لم يتواضع المشايخ ويقتربوا من الشباب ويرتقوا بهم من الفوضى إلى رحاب الذكر وحب المصطفى ﷺ وتعليمهم أمور الدين، فسنفقدهم في قادم الأيام. وأي شيخ سيجد نفسه محاطًا بالعجائز فقط، وهؤلاء مضى زمانهم. إذا أردنا بناء الأمة فعلينا بالاهتمام بشبابها، فهم عمودها الفقري، كما وصفهم الله تعالى: «إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى». لذا يجب أن يركّز مشايخ الطرق الصوفية على الشباب، وينتزعوهم من براثن المخدرات والرذيلة، ويقودوهم إلى طريق الله.
وصية لرجال الأعمال؟
أقول لهم: لا أحد يموت ويأخذ ماله معه، فاعملوا عملًا تلقون الله به. البلد الآن في حاجة إليكم، قفوا مع الشعب. كل واحد منكم يمكنه أن ينشئ تكية صغيرة. لو خصص كل واحد منكم أجر البستاني أو الطباخ أو السائق وأعدّ وجبة واحدة، فلن يجوع أحد. فقد أوصانا النبي ﷺ بقوله: «من كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، ومن كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له».
الحرب كشفت معادن الناس، للأسف رأينا أبشع صور الاستغلال، فالبعض يرفع الأسعار على المنهوبين والمشردين وكأنهم في باريس! المواد التموينية للتكية كنّا نشتريها بأسعار خرافية، وكل يوم تتضاعف. يا تجار، اعملوا عملًا تلقون الله به، فالإنسان حين يموت لا يحمل بيتًا ولا سيارة ولا مالًا، إنما يحمل عمله. فاعملوا ما يسهّل لكم المرور على الصراط، فالعمل الصالح في الدنيا، أما في الآخرة فحساب بلا عمل. نسأل الله أن يلين قلوب رجال الأعمال على أهل بلدهم ووطنهم.
الشباب؟
على الشباب بعد هذه الحرب أن يتعلموا التكاتف، وأن يكونوا قد وعوا الدرس وفهموا معنى الوطن. يجب أن يعودوا إلى الله، ويتذكروا إخوانهم الذين استشهدوا فداءً للوطن، وكل من تعب وضحّى. كلنا سنموت، فليكن موتنا بشرف. ابتعدوا عن المخدرات والتطرف، فديننا دين سماحة وتكافل ورحمة. نحن كسودانيين مشهورون بالشجاعة والكرم والشهامة والرجولة. تحدّثتُ مع أحد الإخوة العرب من دولة شقيقة فقال لي: “أنتم السودانيون كنتم شجعانًا وتموتون دفاعًا عن العرض والوطن، ماذا حدث؟ من أول طلقة خرج كل الشباب؟”. والله خجلت أن أرد. صرنا شجعانًا فقط في الشتائم على “تيك توك” ووسائل التواصل! نسأل الله أن ينتبه الشباب لأنفسهم، ويعودوا إلى الدين، ويبنوا وطنهم.
هل مارست السياسة؟
السياسة لا أفهم فيها، وهذه مشكلتنا في السودان؛ نعمل في أي مجال سواء فهمناه أم لم نفهمه. كأن يكون طبيبًا تخصص في الطب، ثم مات أبوه وترك له أموالًا في التجارة، فيترك الطب ويدير التجارة دون خبرة، فتفشل. نحن كذلك، كل واحد يريد أن يكون سياسيًا! السياسة لها أهلها وأهل خبرة بها، ومن يتولّى وزارة أو إدارة دون كاريزما وفهم في مجاله لن ينجح. مشكلتنا غياب التخصص، والسياسة كغيرها تحتاج إلى متخصصين.
تم تكريمكم من عدد من الجهات؟
نعم، تم تكريمي في المسيد من أهل المنطقة، واعتبر ذلك أجمل تكريم، لأنه جاء من محبة خالصة بعد أن كانوا في وقت سابق يطالبون بطرد المسيد. كما مُنحت الدكتوراه الفخرية من جامعة نيو كامبريدج في مجال السلم الاجتماعي، عبر منظمة إنسانية اطّلعت على تجربة التكية وشاهدت الفيديوهات المنشورة، وتم التكريم في القاهرة وتسليم الدكتوراه الفخرية. كذلك مُنحت لقب “السفير الفخري للاتحاد العربي الأفريقي للتكامل الاقتصادي”، و”سفير السلام الدولي” لما قدّمناه لخدمة الإنسانية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، إلى جانب وسام “سفير الإنسانية”.
سمعنا أنك أطلقت نداءً عاجلًا لنجدة متضرري الفاشر؟
نعم، أطلقت نداءً إنسانيًا عاجلًا لإغاثة أهلنا في الفاشر الذين نجوا من الموت ونزحوا إلى مناطق أكثر أمنًا مثل منطقة طويلة. وصلت إلى هناك مئات الأسر الفارّة من جحيم الحرب، لكنها اليوم تواجه شبح الجوع والعطش وتعيش في العراء بلا مأوى، وتحتاج للإيواء والماء والغذاء بصورة عاجلة.
أرسلت مبلغ مائة مليون جنيه كدفعة أولى لدعم التكية في منطقة طويلة، ووجهت نداءً لكل الخيرين وأهل الفضل للمساهمة في هذه التكية عبر أحد المتطوعين الأخ أحمد ياسين، من خلال حسابه في بنك الخرطوم (4086060)، وذلك لنجدة المنكوبين من آثار الحرب.
“الوقت الحالي ما وقت شعارات ولا بطولات، دا وقت وقفة بطولية حقيقية لنجدة أهلنا في الفاشر، بتوفير الغذاء والدواء.”
رسالة أخيرة؟
أشكركم جزيل الشكر، وسلام خاص للأمدرماني، وعندما يُذكر الأمدرماني أتذكر الأستاذ حسين خوجلي. قد يقول الأستاذ حسين إننا عنصريون لأم درمان، وهذا صحيح، فهو ما جعلنا نبقى فيها ونخدمها، وسنظل نخدمها لأنها قدّمت لنا الكثير، ومهما فعلنا لا نكفيها حقها. نسأل الله أن يُصلح البلاد، ويعمّ الأمن والأمان في السودان.