الخبير الإعلامي والمحلل السياسي د. إبراهيم الصديق: المعلومة في الموقف الأميركي كانت مُختطفة

الخبير الإعلامي والمحلل السياسي د. إبراهيم الصديق لـ (ألوان):

 

(بن سلمان) أوضح لترامب أن في السودان حكومة يمكن التحاور معها

 

المعلومة في الموقف الأميركي كانت مُختطفة

 

أزمة السياسي السوداني في ارتباطاته بالخارج

 

المحاسبة لا تُعالج إلا بقانون الخيانة الوطنية

 

حوار: مجدي العجب

في ظل التحولات المتسارعة في المواقف الدولية تجاه الحرب في السودان، وفي أعقاب التصريحات اللافتة للرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد لقائه ولي العهد السعودي، يقدّم الخبير الإعلامي والمحلل السياسي د. إبراهيم الصديق قراءة معمّقة للتقاطعات الخارجية المؤثرة في المشهد السوداني. وفي هذا الحوار، يتناول جذور اختطاف المعلومة داخل المؤسسات الأميركية، وأدوار القوى الإقليمية والدولية، وأزمة النخب السياسية السودانية وارتباطاتها بالخارج، إضافة إلى الدور السعودي المتقدم في إعادة تصويب الرؤية تجاه الوضع في السودان.

 

 

 

كيف تقرأ حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد لقائه ولي العهد السعودي، وكأنه للمرة الأولى يسمع بالحرب في السودان؟

 

قد يكون ما قاله ترامب صحيحاً في بعض الجوانب، لكن الحقيقة ليست كذلك. ترامب منذ بداية حملاته ظل يرفع شعار “أميركا أولاً” وهذا يعني الانكفاء على المصالح الأميركية قبل أي شيء. اهتماماته الأساسية اقتصادية بالدرجة الأولى، ولهذا ركّز على أوكرانيا لأنها تمسّ التمدد السياسي بين واشنطن وموسكو، وعلى فلسطين لارتباطها بإسرائيل. أما أفريقيا عموماً فلا تقع في دائرة اهتمام الرؤساء الأميركيين، بل في دائرة اهتمام مجموعات الضغط داخل الإدارة. لذلك من الواضح أن الرئيس الأميركي لم يكن على اطلاع حقيقي بما يجري في السودان، وحتى دوائر الخارجية الكبيرة لم تكن تماماً على علم دقيق.

 

لكن الإدارة الأميركية فرضت عقوبات في السابق على السودان؟

 

هذه مشكلة أخرى. منذ 1992م و1993م عندما فُرضت العقوبات على السودان، كان ذلك نتيجة نشاط مجموعات ضغط داخل الولايات المتحدة، وأخرى سودانية مرتبطة بخيارات سياسية. الإدارات الديمقراطية تتأثر أكثر بجماعات الضغط واللوبيات، ولذلك تمددت تلك المجموعات. واليوم، حتى المجموعات الجمهورية أصبحت قوة ضغط أيضاً. الموقف الأميركي الآن لحظة حساسة قد تغيّر مجرى الأحداث سلباً أو إيجاباً.

 

برأيك هل تتجه هذه اللحظة إلى السلب أم الإيجاب؟

 

أعتقد أن هنالك أكثر من جهة قادرة على التأثير، أبرزها المملكة العربية السعودية، التي تلعب دوراً محورياً وداعماً لشرعية الحكم في السودان، وهو موقف جيد ومناسب. ولذلك قال الرئيس ترامب بعد لقائه ولي العهد: “كنت أظن أن الوضع جنونياً في السودان”.

 

ماذا يُقصد بوصف الوضع في السودان بأنه “جنوني وفوضوي”؟

 

عندما يقول ترامب إن الوضع فوضوي فهو يتخيله خارج السيطرة، وهذا في ذهنه يعني ضرورة تدخل عسكري. وهذه الصورة تُعيد للأميركيين تجربة الصومال عام 1993م. لكن اتضح له أن الأمر ليس كذلك، وأن السودان ليس صومالاً جديداً ولا أفريقيا الوسطى.

 

هل هذا يعني أن هناك مجموعات سودانية روّجت لهذه الصورة لتبرير التدخل العسكري؟

 

نعم، للأسف. وهذا يوضح أن المعلومة كانت مختطفة داخل المؤسسات الأميركية، وأن مجموعات سياسية سودانية داعمة للمليشيا روّجت أن الوضع خارج السيطرة وأن الحكومة غير شرعية.
وهو نفس السيناريو الذي حدث في 1993م، حين فُرضت العقوبات بلا سبب. السودان لم يكن دولة إرهابية، لكن مجموعات سياسية داخلية دفعت بهذا الاتجاه. الآن تتكرر ذات الأساليب.

 

 

أزمة السياسي السوداني والاستنصار بالخارج هل تراها أزمة مركّبة؟

 

الولاء الوطني ضعيف عند بعض التكوينات السياسية، وهناك ارتباطات خارجية واضحة. بعض الأحزاب جعلت خيارات الخارج جزءاً من تفكيرها مثل البعث والشيوعي. ومنذ الاستعمار ظلت نخب سياسية ترتبط بالغرب بصورة سيئة، ومع ضعف رصيدها الشعبي تلجأ للخارج. وهذا لا يُعالج إلا بـ(قانون الخيانة الوطنية). والدليل أن من ساهم في حصار السودان 27 عاماً عاد وأصبح وزيراً… غياب المحاسبة جعل كثيرين يكررون ذات السلوك.

 

ما الذي حمله ولي العهد السعودي ووضعه أمام ترامب حول السودان؟

 

الخيارات داخل “الرباعية” وصلت لطريق مسدود، لأنها أصلاً مجموعة بلا أساس. ثم دخلت مصالح جديدة، خاصة ضغط المملكة المتحدة التي فقدت تأثيرها بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي.
بعد انسحاب فرنسا من غرب أفريقيا حاولت بريطانيا أن تخلق نقاط نفوذ جديدة عبر العمل المخابراتي، وليس عبر علاقات حميدة. وهذا ساهم في إغواء المعارضة وصناعة مؤامرات على السودان، بدعم إماراتي يعتمد بدوره على الدور البريطاني داخل مجلس الأمن. ومع ذلك بدأت دول أخرى تتخذ مواقف مختلفة: مصر والسعودية. هاتان الدولتان استندتا إلى أمرين: وحدة السودان دولة وشعباً. المشروعية السياسية للنظام. ومن هنا قالت السعودية لترامب بوضوح: هناك حكومة شرعية في السودان ودولة يمكن التحاور معها.