
الموسيقار بشير عباس .. العوّاد الماهر
بمناسبة ذكراه الرابعة
الموسيقار بشير عباس .. العوّاد الماهر
بقلم: أمير أحمد حمد
الموسيقار بشير عباس، ذلكم الملحن الفخيم النغم، العوّاد الماهر، حينما يمسك بريشته المُمَوْسَقة ويوقّع بها على أوتار العود، ثق تمامًا أنك لا تراها مرة أخرى حتى يتوقف عن العزف، لبراعته ورشاقته في العزف رغم كِبَر حجمه الجسماني؛ ففنه رشيق، ومقطوعاته عميقة الدلالة، تكاد تحس أنها تُترجم على صوت مغنٍ مصحوبة بصفارته الطبيعية التي تخرج من فمه. فصفارته هذه تدل على احتشاد دواخله بالنغم الشجي الذي أبى أن يبقى في جوفه، فتمازجت مع أنغام أوتاره، فكان الألق الموسيقي مكتملًا في أبهى صوره.
والده هو الراعي الأول لموهبته التي بدأت معه منذ الصغر، فأهدى له صفارة مصنوعة من الأبنوس حتى يُشبع غريزة ابنه الفنية، كما أشبعه من مأكل ومشرب، ولم تبخل عليه ابنة عمه الأستاذة أسماء حمزة، وهي أول ملحنة معترف بها من العنصر النسائي، بتعليمه العزف على العود.
هكذا كانت بداية مسيرته الفنية التي خرجت من محيط أسرته الصغيرة والكبيرة، واستقرت في وجدان كل محب للفن الأصيل. تأثر كثيرًا بمن سبقوه في هذا المجال، وكان يعتبر الموسيقار برعي محمد دفع الله واحدًا من الذين تأثر بهم في العزف على العود، وربما هذا التأثر جعله قريبًا منه، ولارتباط برعي بعبد العزيز محمد داود، تشاء الأقدار أن يكون أول لحن عرّفه بالمستمع السوداني من نصيب عبد العزيز محمد داود، وهو لحن أغنية «أشوفك في عيني» من كلمات شاعر العيون عبد الله النجيب. وهذا اللحن أكد علو كعب الموسيقار بشير عباس في التلحين، وأكسبه ثقة كبيرة في نفسه بأنه يسير في الطريق الصحيح.
وبعدها انداحت ألحانه، وشعّت ضياءً وسنًا في سموات الإبداع الفني السوداني، فكانت كنوز محبة، عقدًا فريدًا في جيد أغنيات زيدان من نظم أستاذي بشير عبد الماجد. وكذلك كان مساهمًا بلحن في مسيرة ثنائي الجزيرة، أغنية «الشال قلبي وسلا أصارحو ولا لا» من كلمات عوض جبريل، كما حلق بطائر الهوى في سماء كابلي بريشة ورسم البارع الحسين الحسن، وكان حبه زي النيل في مجرى حسن عطية الإبداعي من كلمات السر دوليب. وكذلك غُني من كلمات السر محمد عوض أغنية «الحب في بلدنا» من ألحان بشير عباس، وكم كان رائعًا في لحنه «رائع» من كلمات مبارك المغربي أداء الكروان عبد الدافع عثمان.
وكذلك حينما أحال كلمات الشاعر تاج السر عباس «أمير الناس» إلى نغم شجي عبر حنجرة ثنائي النغم، فكانت فاتحة وفخرًا لشاعرها أن يلحن له بشير عباس وهو في العتبة الأولى، كما أخبرني أستاذي تاج السر في دنيا الشعر. ولا يفوتني أن أذكر لحنه البديع الذي بثه على حنجرة الفنان الأنيق الباسم دائمًا محمد حسنين «يا سهاري تعالوا شوفي البي الحبيبة كيف قست عليّ»، وهي من كلمات الشاعر الجميل عبد المنعم عبد الحي. كما لحن «الصوم» لابن البادية من كلمات عبد الرحمن الريح، كما لحن «الحب الكبير» لزيدان إبراهيم من كلمات التجاني حاج موسى، ولحن كذلك أيضًا لأبي داود «بلادي يا سنا الفجر» من كلمات حسن مصطفى التني.
كما لحن من كلمات صلاح أحمد إبراهيم ملحمة «إلى شعبي» تغنى بها مجموعة من الفنانين، منهم منى الخير، وأبو داود، وفيصل أبو شلة شقيق بهاء الدين أبو شلة، وعثمان مصطفى، وأم بلينة السنوسي، ولكن للأسف لم تجد حظها من الانتشار. ولا ننسى لحنه لسيد خليفة في أغنية «الاستقلال» من كلمات الحلنقي، وحتى عبد العزيز المبارك وصله نغم من أنغامه، فكان لحن أغنية «لا تدعني» من كلمات عبد الله الفيصل.
هذا ما استحضرته الذاكرة، وأكيد هنالك الكثير والمثير الخطر من بديع ألحانه الشجية. كما لا ننسى أنه رفد مكتبة الإذاعة بالعديد من المقطوعات الموسيقية الرائعة، وأول مقطوعة له هي «الشروق»، وتلتها أخريات مثل «القمر في كنانة»، و«العسل في كنانة»، و«أمي»، و«ليالي واشنطن»، و«نهر الجوروبامبو»، و«سنار»، وغيرها من المقطوعات.
ولكن تبقى مسيرته مع بنات طَلَسِم البلابل هي الأكبر والأكثر إنتاجًا، فمنحهن ألحانًا ظلت خالدة، رغم ابتعاد البلابل عن الساحة الفنية لأكثر من عشرين عامًا، ما تزال هذه الألحان حية تسعى في وجدان الناس. ارتبط بشير عباس بالبلابل ما يقارب الأربعة عقود من الزمان، فكان أول لحن معهن هو لحن «تسلم يا أبو عاج، أخوي يا دراج المحن» عام 1971، من كلمات الشاعر الفريق جعفر فضل المولى، وكان هذا اللحن بعد فشل انقلاب هاشم العطا وعودة الرئيس جعفر محمد نميري مرة أخرى للحكم.
بعد ذلك تدفقت ألحانه شلالًا رويًا على البلابل، وتكاد تكون كل أغنيات البلابل من ألحان بشير عباس، ولم يشاركه في مسيرته اللحنية مع البلابل إلا القليل، منهم أنس العاقب بلحن أغنية «ليل الشجن»، وموسي محمد إبراهيم بلحن أغنية «خاتم المنى».
ومن الطرائف التي رواها ود الحاوي، وطبعا ود الحاوي ارتبط بالفنان إبراهيم عوض، سعى للتعامل مع البلابل، وعندما علم بشير عباس بذلك ذهب إلى ود الحاوي في بيته وقال له: (يا ود الحاوي، حصل قبل كده سمعت إني مشيت لإبراهيم عوض؟) قال له: لا. قال: (طيب إنت مالك ومال البلابل؟). ويقيني أن ود الحاوي يمكن أن يكون إضافة إبداعية في مسيرة البلابل لا تقل عن إبداعات بشير عباس، ولكن تبقى إرادة الله هي السائرة فينا.
نال العديد من الجوائز الفنية العالمية، وقد ظل عطاؤه مستمرًا حتى قبل أيام معدودة من رحيله، وقد نعى الناعي في صبيحة يوم الخميس الموافق 27/1/2022 صاحب النغم الجميل والطبع النبيل. نسأل الله أن يظله في ظل ظليل، اللهم ربنا الناس أكرم بشير بن عباس، واجعله في حبور وإيناس مع خير الناس سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. إنا لله وإنا إليه راجعون.