
الحاج الشكري يكتب: الفرقة التاسعة .. نقطة فارقة في تاريخ النصر
نقطة وسطر جديد
الحاج الشكري
الفرقة التاسعة .. نقطة فارقة في تاريخ النصر
قبل أن نخبر القراء بمساهمة الفرقة التاسعة المحمولة جوًا في معركة الكرامة، لا بد أن يعرفوا أن الفرقة التاسعة المحمولة جوًا هي إحدى وحدات القوات المسلحة، وتمتاز بالتدريب التخصصي والمتواصل واللياقة البدنية العالية، كما تقوم بمهام خاصة وعالية الدقة، وكثيرًا ما تُكلَّف بمهام خلف قوة العدو وتدمير أهداف استراتيجية وقطع إمداد العدو، وتُكلَّف بجميع العمليات الخاصة لتخليص الرهائن وفك الحصار واقتحام المباني وإنقاذ وحدات عسكرية من أوضاع صعبة. ولك عزيزي القارئ أن تدرك بفطنتك أن فرقة بهذه المهام وتتكون من أربعة ألوية: اللواء ٣٣ مظلي، واللواء ٣٤ اقتحام جوي، واللواء ٣٥ صاعقة، واللواء ٣٦ قوات خاصة، إضافة لسرية الفرقة ورئاسة إدارة الفرقة ومركز تدريب الفرقة ومعهد تدريب المظلات. نعم، فرقة بهذا الحجم حتمًا ستكون قادرة دون شك أن تكسر شوكة الجنجويد وتلقنهم أول الدروس في معركة الكرامة، فتعالوا معي إلى تفاصيل بداية المعركة ونهايتها في معسكر سركاب.
في صباح ١٥ أبريل كان الجو مشحونًا بالتوتر، وسبق ذلك أن قامت الفرقة التاسعة المحمولة جوًا بحفر دفاع حولي في الاتجاه الغربي لقيادة الفرقة قبل قيام الحرب، وتم تجهيز كتيبتين مظليتين: الكتيبة ٢٣٠ باللواء ٣٣ مظلي بقيادة المقدم الركن عبداللطيف قسم الله، والكتيبة ٢٣٧ صاعقة بقيادة المقدم الركن معاوية رحمة الله باللواء ٣٥ صاعقة، وكان من المفترض الدفع بهم غيارًا للقوات المسلحة بالفشقة، تم تأخيرهم، وكان لهم دور كبير في هذه المعركة، قدموا فيها الشهداء والمصابين. كل ذلك يؤكد أن الفرقة التاسعة المحمولة جوًا كانت تتعامل بمسؤولية كاملة تجاه ما يجري حولها من استعداد الطرف الآخر، وكانت ترتب وتضع خطط المواجهة مسبقًا، وفي صباح ١٥ أبريل تم تفريغ جبل سركاب من قوات الدعم السريع، وهم كانوا جاهزين للقتال، كشان كل مواقعهم في ذلك اليوم بمئات العربات اللاندكروزر وهي بكامل تسليحها من ثنائي ورباعي ودوشكا، توجهوا صوب صينية الحلفايا، وهناك عربات منها دخلت أشلاق سليمان بشارة، وبعد أقل من ربع ساعة عادت هذه العربات والأفراد المشاة تجاه معسكر سركاب، ومع أكبر الاعتقاد أن هذه العربات خرجت بغرض الفزع، الأسلوب الذي عُرفت به مليشيا الدعم السريع، ولم تدخل هذه العربات إلى داخل المعسكر، بل تعاملت مع دفاعات القوات المسلحة في الواجهة الغربية، وبالتحديد دفاعات معهد تدريب الفرقة التاسعة المحمولة جوًا. وبفضل الله كانت القوات المسلحة في هذا المكان جاهزة للقتال، فدارت معركة عنيفة جدًا استبسل فيها أبطال القوات المسلحة، وقدموا فيها شهداء وجرحى، ولكن استطاعوا أن يمتصوا التفوق الذي كانت تتميز به القوات المتمردة، حيث كانت قوات العدو تتحرك بالعربات اللاندكروزر خفيفة الحركة وذات الدفع الرباعي، بالإضافة إلى الأسلحة الثقيلة التي كانت بحوزتها، أما القوات المسلحة فكانت تقاتل بدون أي عربة، بل هم مشاة وعلى الأرجل، وكان كل تسليحهم قرنوفات ودوشكا وآر بي جيهات وكلاشنكوفات، ولعبت الخبرة دورًا كبيرًا، حيث كان الهجوم الساعة ٣ صباحًا بعد وصول قوات التعزيز إلى الفرقة التاسعة بقيادة العميد الركن عثمان كباشي الذي يتبع للمهام الخاصة، وتم التخطيط لتنفيذ الهجوم بمحورين: المحور الأول بالمواجهة الأمامية، وذلك بعد توضيح أماكن قطع السلاح للعدو للقوة المنفذة للهجوم، ومحور آخر بالمواجهة الشمالية للمعسكر لاستلام قمة سركاب والقيام بعملية الالتفاف على العدو، خاصة وأن القوة المنفذة استغلت ذلك بوجود مانع طبيعي للوصول إلى معهد التدريب وطبيعة الأرض المكسرة أمام معهد الفرقة. وكما قلت لكم، هنا لعبت الخبرة التي يتمتع بها القائد الفذ العميد وقتها عمار الصديق جاد الله ورفاقه من الضباط دورًا محوريًا في امتصاص قوة الهجوم، وثبتوا العدو ومنعوه من الدخول، وهنا تجلت عبقرية القائد حيث تحرك عمار الصديق إلى قيادة الفرقة بعربة بفلو غير قتالية، وسحب دفاعات الاتجاه الشرقي إلى مكان المعركة، الشيء الذي كان له الأثر الكبير في المقاومة وبث الروح المعنوية العالية للقتال. وهنا لا بد أن نذكر للتاريخ، والحقائق التي ذكرها لي اللواء عمار الصديق أن جهاز الأمن والمخابرات الوطني كان يدفع بالقوات المقاتلة من جميع المحاور والاتجاهات القتالية، وبإشراف مباشر سعادة الفريق عباس اللبيب نائب مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني، حيث دفع هذا الرجل بـ ٥٠٠ مقاتل من مدني وسلمهم للواء عمار الصديق، غير أنهم للتاريخ وصلوا بعد حسم المعركة، والتي شارك فيها حتى فني الكهرباء والسباكة من أفراد المظلات، ولكن كان لضباط وجنود الجهاز دور كبير في تأمين المعسكر فيما بعد.
كانت القيادة واثقة من النصر لما بذله الضباط والجنود في اليوم الأول للمعركة، فتفتقت عبقرية القيادة على خطة جديدة في اليوم الثاني، بحيث يكون الهجوم على القوات المتمردة الساعة الثالثة صباحًا، لمعرفتها أن العدو لا يجيد القتال ليلًا، وحتى لا يتمكن العدو من ترتيب نفسه من جديد للهجوم على الفرقة مرة أخرى، لذلك كان التفكير بالهجوم المتواصل عليه. وساعد القيادة على النصر معرفتها بطبيعة أسلوب وقتال العدو، إضافة لتدخل سلاح الطيران في اليوم الثاني، كل ذلك ساهم في القضاء على العدو خلال ٤٨ ساعة فقط، ومن ثم تأمين المعسكر بشكل كامل.
كانت المفاجأة أن تحصلت قواتنا المسلحة الظافرة والمنتصرة بداخل المعسكر على مسيرات وعربات قتالية وأجهزة اتصالات وكمية من الذخائر المتنوعة، كانت نقطة إمداد للمهندسين بذخائر المدفعية وخلافه، بالإضافة للبصات والشاحنات الثقيلة والبكاسي، وبعض الشاحنات محملة بمواد غذائية لقوات المليشيا، ووجدوا داخل المعسكر ضباط ماسورين، وعلى رأسهم اللواء الصادق سيد الدفعة ٣٨.
بعد استلام المعسكر، كوَّن العميد وقتها عمار الصديق ورفاقه سرية استعداد تتحرك لمناطق بعيدة لتأمين المنطقة وطرد العدو بعيدًا من حدود المسؤولية، وهذه هي نفس السرية التي استشهد فيها عثمان مكاوي في الإسكان بجوار منزل المتمرد السافنا.
أتعلمون لماذا دخل حميدتي في موجة بكاء حاد عندما علم أن العميد عمار الصديق دخل بضباطه وجنوده لمعسكر سركاب بعد أن حوَّل جنود المليشيا إلى كوم رماد ومزقهم إربًا إربًا، واستولى على كل الآليات العسكرية والعربات القتالية؟ هنا بكى حميدتي بحرقة لأنه يعلم دون شك أنه فقد معسكرًا مهمًا واستراتيجيًا، حيث كان حصنًا أمينًا لقياداته، إضافة إلى أنه تم إعداده بشكل ضخم لينطلقوا منه للاستيلاء على القاعدة الجوية، ومن ثم الانطلاق نحو شندي وعطبرة. وهنا لا بد أن أشير إلى أن القاعدة الجوية لعبت الدور الكبير والعظيم جدًا في كسر عظم المليشيا والقضاء على الكتلة الصلبة فيها ٠٠ ولولاها لما استطعت أن أتخيل حال السودان مع الجنجويد.
في تقديري الخاص أن سعادة العميد وقتها، واللواء حاليًا، عمار الصديق جاد الله، قاد معركة سركاب مع زملائه وجنوده وحسمها لصالح الوطن في ٤٨ ساعة فقط، فيرجع الفضل في ذلك بعد الله سبحانه وتعالى إلى أن الرجل مؤهل فنيًا وعسكريًا لمثل هذه المعارك، وأنه وصل إلى أن تولى مسؤولية قيادة الفرقة التاسعة المحمولة جوًا ليس بفضل أحد ولا بدعم أحد كما يفعل حميدتي، حيث يتم تعيين القادة من مكون الوهم الكبير المسمى العطاوة، وتزداد مكانة القائد في الترقي والنفوذ والحكم كلما كان من الرزيقات ثم الماهرية ثم أولاد منصور، الأسرة التي كانت ستكون سلالة الملك في السودان. ولعل هذا هو الفرق بين القوات المسلحة والمليشيا المتمردة، فالبرهان من نهر النيل، وكباشي من الجبال، وإبراهيم جابر من دارفور، وعادل العبيد عبد الرحيم من ريفي شندي، ومعتصم بابكر وعمار الصديق من الجزيرة، وحسين جودات وأيمن الفحل من كردفان. فقط يجمع بين هؤلاء القادة شرف الجندية وحب الوطن والدفاع عنه، ولذلك من الطبيعي جدًا أن تكون نتيجة هذه الحرب لصالح القوات المسلحة، ومن الطبيعي كذلك أن يشعر السودانيون أنهم جميعًا ينتمون إلى القوات المسلحة ويفرحوا بانتصاراتها في أي مكان، ولا فرق أن يكون المكان الفاشر أو سنجة أو شندي أو نيالا أو الضعين، وكذلك يلتفوا حول قائدها أينما ذهب.
وفي الختام لا بد أن نؤكد أن ما فعله عمار الصديق ورفاقه وجنوده في كل مكان في السودان يؤكد أن القوات المسلحة السودانية مؤسسة عسكرية راسخة ومنضبطة بالنظم واللوائح والقوانين التي تطبق على الجميع من القائد العام إلى أصغر وأحدث جندي في صفوفها، عكس مليشيا الدعم السريع تمامًا. ولنا في حميدتي خير مثال، بحيث لا يعرف أحد ما رأي حميدتي ولا مبدؤه الحقيقي، فقط يجند ويسلح بطريقة عشوائية بربرية همجية امتدت لتشمل تسليح المجرمين الذين أُطلق سراحهم من السجون، وكذلك يعين قادته بطريقة قبلية جهوية عنصرية، ولا يفعل ما يخدم الوطن، إنما يفعل ما يخدم مصالحه فقط، لذلك أخزاه الله وقهرته القوات المسلحة وتخلى عنه أهل السودان الأخيار بعد أن التف حوله الأشرار.