
عودة السودان لإيغاد .. اسقاط مشروع المليشيا وكسر رهانات أبوظبي
عودة السودان لإيغاد .. اسقاط مشروع المليشيا وكسر رهانات أبوظبي
تقرير: مجدي العجب
لم يكن هذا الاختراق الدبلوماسي الذي حققه السودان داخل أروقة «إيغاد» منفصلًا عن الوقائع الصلبة على الأرض، حيث نجحت القوات المسلحة السودانية، خلال الأشهر الماضية، في قلب موازين المعركة ميدانيًا، وتفكيك البنية العسكرية للمليشيا في عدة محاور استراتيجية. هذه الانتصارات الميدانية لم تُضعف فقط القدرات القتالية للمليشيا، بل أسقطت أيضًا رهانات داعميها الإقليميين الذين بنوا حساباتهم السياسية على فرض واقع عسكري بديل يُمكّنهم من التحكم في القرار السوداني. ففي السياسة كما في الحرب، تُصنع الشرعية من تماسك الدولة وسيطرتها على الأرض، وهو ما أعاد للسودان ثقله داخل المنصات الإقليمية، ودفع مؤسسات مثل «إيغاد» إلى إعادة ضبط بوصلتها بعيدًا عن محاولات التزييف والتضليل التي مارستها أطراف داعمة للمليشيا، سعت إلى تقديمها كطرف سياسي قابل للتدوير، متجاهلة سجلها الدموي وانتهاكاتها الواسعة بحق المدنيين.
وقد فشل اللوبي الإماراتي في اختراق المؤسسات الأفريقية
طوال فترة الحرب، حيث راهنت حكومة أبوظبي على اختراق المؤسسات الإقليمية الأفريقية، مستفيدة من أدوات النفوذ المالي والدبلوماسي والإعلامي، في محاولة لخلق مظلة سياسية تحمي مشروع المليشيا وتمنحه شرعية زائفة. غير أن بيان «إيغاد» الأخير، ومضامينه الواضحة بشأن وحدة السودان وسيادته ودعم مؤسساته الدستورية، مثّل صفعة سياسية مباشرة لهذا المسار، وكشف حدود القدرة الإماراتية على التحكم في القرار الأفريقي عندما تتعارض المشاريع الخارجية مع مصالح الدول الأعضاء واستقرارها.
لقد أدركت المؤسسات الأفريقية، بعد تجارب مريرة في الإقليم، أن تغذية المليشيات لا تصنع سلامًا، وأن مشاريع الوكالة لا تنتج دولًا مستقرة. ومن هنا، جاء الفشل الإماراتي في تمرير سرديتها داخل «إيغاد» بمثابة إعلان غير مباشر عن سقوط مشروع تدويل المليشيا، وانكشافه كأداة لتفكيك الدولة لا كوسيط للسلام.
إن الحديث عن استعداد «إيغاد» للترحيب بعودة السودان إلى إطارها المؤسسي لا يمكن قراءته إلا بوصفه انتصارًا سياسيًا للدولة السودانية، ونسفًا عمليًا للمشروع الجنجويدي المدعوم من حكومة أبوظبي، والذي قام منذ بدايته على فكرة تجاوز الدولة، وإحلال المليشيا محل المؤسسات الشرعية.
وبعودة السودان إلى موقعه الطبيعي داخل المنظومة الأفريقية، تسقط كل محاولات عزل الدولة أو استبدالها، ويتأكد أن أفريقيا وبرغم ما تتعرض له من ضغوط لا تزال تميّز بين الدولة والمليشيا، وبين الجيش الوطني ومشاريع الفوضى المسلحة.
الايغاد على الخط
واستقبلت الأمانة التنفيذية للهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) سعادة الدكتور كامل إدريس، رئيس وزراء جمهورية السودان، في مقر الأمانة العامة، في إطار تعزيز السلام والأمن والاستقرار في المنطقة.
وأعربت أمانة إيغاد عن قلقها العميق إزاء استمرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي يتعرض لها المدنيون في جمهورية السودان، فضلًا عن تهديد وحدة وسيادة الدولة. وأكدت إيغاد التزامها الثابت بدعم الوحدة الوطنية والمؤسسات الدستورية والانتقال الديمقراطي في السودان.
كما جدّدت إيغاد استعدادها للترحيب بعودة جمهورية السودان إلى إطارها المؤسسي.
الشرعية الوطنية
ويرى الأكاديمي والمحلل السياسي الدكتور محمد إبراهيم الرشيد : أن اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس بقيادة الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) يمثل اختراقًا دبلوماسيًا مهمًا أعاد تصويب مسار التعامل الإقليمي مع الأزمة السودانية. واكد الرشيد في حديث لالوان قائلا : هذا التطور يعكس نجاح الحكومة السودانية في استعادة زمام المبادرة السياسية، بعد ان حاولت فيها أطراف إقليمية فرض سردية بديلة تقوم على تمييع مفهوم الدولة وتدوير المليشيات المسلحة كفاعلين سياسيين.
ويضيف الرشيد أن تأكيد “إيغاد” على وحدة السودان وسيادته ودعم مؤسساته الدستورية يشير بوضوح إلى تراجع نفوذ القوى التي سعت لاختراق المنظمات الأفريقية لخدمة أجندات خارجية، موضحًا أن عودة السودان إلى الإطار المؤسسي الإقليمي تمثل ضربة مباشرة لمشاريع تفكيك الدولة، ورسالة بأن الشرعية في أفريقيا لا تُمنح للمليشيات، بل للدول ومؤسساتها الوطنية.
تحولات متسارعة
وأكد الأكاديمي والمحلل السياسي الدكتور حسن الشايب أن التحرك الذي قاده رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس داخل أروقة “إيغاد” لا يمكن فصله عن التحولات الجارية في المشهد الإقليمي تجاه السودان. وزاد الشايب في حديثه لألوان قائلا: هذا الاختراق الدبلوماسي يعكس إدراكًا متزايدًا داخل المؤسسات الأفريقية بأن الرهان على المليشيات كبديل للدولة كان خيارًا خاطئًا ومكلفًا على مستوى الاستقرار الإقليمي.
واشار إلى أن استعداد “إيغاد” للترحيب بعودة السودان إلى إطارها المؤسسي يمثّل رسالة سياسية واضحة بأن مشروع شرعنة المليشيا المدعومة خارجيًا قد وصل إلى طريق مسدود، لافتًا إلى أن السودان، باستعادته موقعه داخل المنظومة الأفريقية، يوجّه ضربة استراتيجية لمحاولات الوصاية والتدويل، ويؤسس لمرحلة جديدة تُدار فيها الأزمة من منطلق سيادة الدولة لا من منطق موازين النفوذ الخارجية.
الوعي الاقليمي
وبهذا الاختراق الذي احدثته الحكومة السودانية وبزيارة رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس وطرح رؤية الحكومة السودانية المقنعة بدأت ملامح هذا التطور السياسي والدبلوماسي وأن معركة السودان ليست معركة سلاح فقط، بل معركة سيادة وشرعية ووعي إقليمي. ومع تراجع نفوذ الداعمين الخارجيين للمليشيا، وانكشاف فشلهم في اختراق المؤسسات الأفريقية، تتقدم الدولة السودانية خطوة جديدة نحو تثبيت موقعها، مستندة إلى جيشها الوطني، ومؤسساتها الشرعية، وعمقها الأفريقي الذي بدأ يستعيد عافيته من محاولات الاختطاف السياسي.