د. عثمان أبوزيد يكتب: حرب الكرامة في التعليم التقني

حرب الكرامة في التعليم التقني

د. عثمان أبوزيد

عاد موضوع التعليم التقني إلى دائرة الاهتمام مع توجيه السيد رئيس الوزراء د. كامل إدريس بإنشاء عشرين مدرسة صناعية فنية، وتأكيده أن هذا النوع من التعليم يساعد في إعادة الاعمار والبناء ودفع عجلة التنمية بالبلاد.
والتركيز هنا على التعليم التقني وليس التقاني، ولكي أفهم الفرق بين التقني والتقاني سألت الأستاذ عبد المحمود عثمان منصور الأمين العام السابق للمجلس القومي للتعليم التقني والتقاني، فكان جوابه أن التعليم التقني يقصد به المرحلة الثانوية، أما التعليم التقاني فيُقصد به جميع مستويات العملية التعليمية التي تشمل دراسة المسار المتدرج من البكالوريوس التقاني حتى الدراسات العليا. وتزداد حيرتي إزاء هذا الاسم الصعب للمجلس (التقني والتقاني)؟! أليس كافيًا أن نصطلح على اسم واحد وكما يقول الأصوليون “لا مشاحة في الاصطلاح”، ومعناه: لا نزاع ولا خصومة في الألفاظ والاصطلاحات ما دام المعنى متفقًا عليه. (أطلب من مجمع اللغة العربية أن يفك هذا الاستشكال الذي أدخله قانون التعليم التقني والتقاني لسنة 2010. وهل لنا القول بأن كلمة تقنية وتكنولوجيا هي في الأصل اللغوي من (الإتقان) فلعلها تكون كليات الإتقان ومدارس الإتقان).
والحقيقة أن مؤسسات هذا النوع من التعليم حملت أسماء مثل؛ الصناعي والفني والمهني والمدارس المصلحية، والسبب فيما يبدو اختلاف المنابع التي أخذنا منها. فالمدارس التي كانت تؤهل للمعهد الفني بدأت بنظام بريطاني، ثم دخلت المعاهد المهنية التي تؤهل للكلية المهنية وفق نظام أمريكي، وكان لهذا الأخير مردود إيجابي من حيث المناهج الدراسية ونوعية الخريج كما يقول الأستاذ عبد المحمود.
ومن بعد جاء دعاة الاشتراكية ليوقفوا التعليم الأمريكي جملة واحدة ويتجهوا صوب النظام الروسي.
ويتساءل المرء: لماذا لم نتجه لتصميم نموذج سوداني يأخذ حسنات النظم المختلفة مع مراعاة البيئة السودانية؟ لكن أليس هذا هو جوهر المعضلة الوطنية التي تواجهنا في كل مجال.
الواقع أننا بعد الحرب ومع إعادة الإعمار تواجهنا مشكلة عملية. حدثني أحد الأصدقاء رجع إلى الخرطوم لصيانة منزله المتأثر بالحرب، فوجد وفرة كبيرة في الأيدي العاملة، مع ندرة ملحوظة في العمال المهرة.
المسألة أشمل من ذلك بالطبع، فنحن بحاجة إلى مقابلة احتياجات الطفرة التي تحصل عادة بعد الحروب الكبرى، ويكون عندنا خيال يستوعب متطلبات النهضة المنتظرة في هذه البلاد. وأن على أولياء أمور التلاميذ أن يسعوا إلى تأهيل أبنائهم في (مدارس الإتقان) أي المعاهد الفنية والصناعية فالمستقبل هناك.
في السنوات الأخيرة بدأت كفة التقني Technical ترجح من حيث الدخل والمستوى الاجتماعي، حتى صار قريبًا من مستوى التقاني Technological فالحاجة ماسة إلى أصحاب المهارات العملية والمهام الفنية والحرفية، وهي حاجة لا تقل بأي حال عن خريجي الهندسة الذي يفهمون المبادئ العلمية وتطوير العمليات والحلول المبتكرة والإدارة.
حدثنا الدكتور عبد القادر أحمد إسماعيل في بعض تسجيلاته نقلا عن شقيقه البروفيسور حامد اسماعيل ـ رحمه الله ـ عميد كلية الهندسة ومدير كرسي اليونسكو للمياه وصاحب نظريات في الهندسة أنه قال له ذات مرة: “هسع أنا بقدر أعمل التربيزة اللي بنشرب فيها الشاي دي؟ ما دي دايرة ذكاء مختلف، يعني دايرة نجار ينجرها”.
ودعني أنقل هنا قصة قرأتها في مقال لكاتب أمريكي بعنوان: مدارس المستقبل، يقول: أذكر أننا وضعنا بعض الحواسيب في فصل دراسي بمدرسة ابتدائية في حي فقير بنيويورك، وكان كل شيء في تلك المدرسة مهشمًا، ولكن كان هناك صف دراسي واحد ذو شكل لائق وهو غرفة الحواسيب التي لم يكن وضعها جيدا بسبب أنها كانت مغلقة، بل لأنها كانت مخصصة للصغار الذين حافظوا عليها.
وصل فريق من الباحثين إلى المدرسة، ثم توجهوا إلى غرفة الحواسيب حيث وجدوا تلميذا اسمه كارلوس هو الذي يعتني بالغرفة ويرتبها. قال فريق الباحثين للتلميذ كارلوس: هل يمكنك أن توضح لنا ما الذي تقوم به في هذه الحواسيب؟ فقال كارلوس: بكل تأكيد، وكان سعيدا وهو يشرح للكبار ويريهم ما سيفعله، وبدأ الطباعة واستخدام برنامج في الحاسوب.
بعد ذلك قابل فريق الباحثين مدير المدرسة وقالوا له إن كارلوس كان رائعًا في أدائه وأنه عندما تواجهه صعوبة يفتح دليل الاستخدام والتشغيل ليتعرف على كيفية الاستخدام.
قال مدير المدرسة: لا شك أن هناك خطأ ما، لأن كارلوس لا يستطيع القراءة، فهو يتلقى تعليم الأطفال المعاقين، ولم ينجح في كل مواد القراءة. عندئذ اتجه الجميع إلى غرفة الحواسيب وسألوا كارلوس: هل تستطيع القراءة؟ قال: كلا، لا أستطيع، فقالوا له: ولكن ما الذي كنت تفعله للإجابة عن ذلك في غرفة الحاسوب، فأجاب كارلوس: لم تكن تلك قراءة، بل كانت استخدامًا للحاسوب والحصول على الأوامر والتعليمات، ولكنهم (أي المدرسة) صرفوا لي كتبًا غبية تحكي قصص الديوك والكلاب، وأنا لا أحب قراءتها. (انتهت قصة كارلوس).
ظل هناك تمييز غير إيجابي للمدارس الصناعة في التعليم عندنا. أذكر أنني عندما جلست لامتحان الدخول للمدارس الوسطى وكانوا يقبلون فقط أربعين طالبًا؛ اشتركنا نحن ثلاثة طلاب في الترتيب الأربعين، وكان قرار لجنة القبول أن يُقبل أكبرنا سنًا في المدرسة الصناعية، والأقل منه عمرًا في معهد تدريب المعلمين، وأصغرهم يقبل في المدرسة الأكاديمية، وكنت صاحب الحظ السعيد حيث تلقاني الجميع بالتهنئة.
وأذكر أن كثيرًا ممن قُبلوا في المدارس الصناعية، كانوا يسجلون أيضًا في المساق الأكاديمي ويمتحنون من منازلهم للدخول إلى الجامعة.
وأسوق في الجزء الأخير من هذا المقال إشارات لنقاشات مستفيضة جرت في (المنتدى الفكري)، وهو (قروب واتساب) لبعض أبناء وبنات السودان، تناولوا موضوع التعليم التقني، وانتهوا إلى صياغة وثيقة ختامية شاملة، قالوا فيها:
لم يكن هذا المنتدى مجرد ترف فكري، بل كان “خندقاً معرفياً” لإعادة صياغة مستقبل الإنتاج في السودان. سادت المداولات روح من “الصدق الوطني القاسي”، حيث جرى تشريح أزمات الماضي التي جعلت من “الشهادة الأكاديمية” غاية في حد ذاتها، بينما ظل الاقتصاد ينزف لغياب السواعد الماهرة. لقد تبلور إجماع وطني بين المشاركين على أن “الورشة هي برلمان النهضة الحقيقي”، وأن الانتقال من عقلية “الموظف” إلى عقلية “الصانع” هو السبيل الوحيد لاستعادة السيادة الوطنية وبناء اقتصاد مقاوم للأزمات.
وهناك الكثير مما يلفت الانتباه في توصيات المنتدى، ومنها على سبيل المثال:
ـ التركيز على تحويل الفني من “منفذ” إلى “مبتكر” يمتلك مهارات التفكير التصميمي.
ـ ابتكار مفهوم “الرهن المعرفي” كبديل للرهن العقاري، لتمكين الفني من الحصول على تمويل بضمان سجل جدارته ورخصته المهنية.
ـ إدماج تقنيات “التعدين الحضري”؛ أي تدوير ركام الحرب وتحويله إلى موارد لبناء المستقبل.
ـ جعل الطاقة البديلة (الشمسية) عصب الورشة السودانية لضمان استقلالية الإنتاج عن الشبكات المتهالكة.
ـ العمل على كسر “الوصمة الاجتماعية” بجعل المهارة اليدوية رمزاً للوجاهة الوطنية والنجاح الاقتصادي.
ـ إيقاف النزيف المهني (عقدة المهندس): تسرب الكوادر الوسيطة نحو الوظائف المكتبية بحثاً عن “اللقب الاجتماعي”، مما أحدث فجوة كبرى في المواقع الإنتاجية.
ـ الفجوة السلوكية: تراجع قيم “الإتقان والانضباط” لدى بعض العمالة المحلية مقارنة بالوافدة، مما خلق أزمة ثقة لدى أصحاب العمل.
ـ الاستفادة من الكتلة البشرية المهاجرة: وجود آلاف الخبراء السودانيين في الخارج المستعدين لنقل الخبرة عبر منصات “التوأمة الافتراضية”.
ـ المسار التشغيلي: إطلاق برنامج “المعهد المنتج” لتمويل مراكز التدريب ذاتياً عبر عقود صيانة مع مؤسسات الدولة والقطاع الخاص.
ـ المسار الإعلامي: تنفيذ حملة “الهوية المنتجة” لإعادة صياغة السلم القيمي، وجعل “الأسطى المبتكر” هو النموذج الملهم في المناهج والدراما.
ونرجو ختامًا ألا تضيع هذه المخرجات المفيدة، والتوصيات السديدة، ولتصل إلى متخذي القرار، ولتتحول إلى مبادرات مجتمعية، وأعمال إعلامية وتثقيفية، وإلى برامج دراسية وسمنارات وورش عمل.