صديق المجتبى يكتب: التجاني الجزولي إنساناً وعالماً استثنائيا

التجاني الجزولي إنساناً وعالماً استثنائيا

صديق المجتبى

من الناس من يملأ هدوؤه المكان وتفتح لك أسارير وجهه آفاق تنقلك من ضيق الحياة ونكدها وضجرها إلى عوالم من الطمأنينة والدعة والسكينة ، فتحس بوجود مغاير للوجود في دنيا الناس وزَخَرِ الحياة وضجيجها وهمومها وغمومها . لا تدري كيف يفعل هذا الإنسان الصوفي ذلك في نفسك وانت تقف أمامه لأول وهلة . عينان متوقدتان ذكاء تشعان نوراً من نفس كأنها إشراقة من سماء الله تحبو مع القرون وتبطي، كما قال الشاعر التجاني يوسف بشير . ووجهٍ وضيءٍ ينضح بالحياء عليه سيماء المتقين الصالحين الذاكرين ، وعليه ابتسامة لا يخبو بريقها يتصدق بها لكل من نظر إليه ويدخل بها البهجة والسرور على ضيوفه من عامة الناس وخاصتهم . هو ذلك الرجل الفخيم المهيب مظهراً بعمامته وجلبابه وشاله ، يفوح منه عَرْفُ الكلام ممزوجا بعر المتصوفة الذي ينداح مخبراً عن بنفسه الزكية وعلمه الفياض الذي يتدفق كنبع سخي دونما تكلف أو تعجرف أو تعالٍ على سامعه محاذرا أن يوحي إليه أنه أعلم منه فيما يحدثه به .
ذلكم هو بروف التجاني اسماعيل الجزولي الذي ينحدر من أرومة طيبة وبيت علم ودين وكرم . فكان أبوه اسماعيل المتعافي عميد أسرة آل محمد الجزولي من أعيان الدويم مقدَّمَاً في قومه وكان عالماً وفقيها ورعاً وكريما وكان من اهل الحل والعقد ما من مجلس كان فيه إلا وقضى فيه بما يرضي الجميع. كان بيته مفتوحاً لطلاب العلم على مدار العام إذ كان يرعاهم ولا يميزهم من أولاده ، وقد أورث اولاده وخاصة التجاني الزهد والحكمة والتواضع والعلم والتهذيب . وقد جاء في سيرته أن سبب تلقيبه بالمتعافي كما ورد في سيرة والده الشيخ اسماعيل بعنوان “الزعيم اسماعيل” ممهورة بتوقيع أحد أحفاده ويدعى مدثر نشرها على صفحته في الفيسبوك في يوم الخميس ١٧/ فبراير ٢٠١١ . أورد ان هذا اللقب أطلقه عليه المفتش الانجليزي لمديرية النيل الأبيض سابقاً لأنه اوتي بسطة في الجسم كما أوتي بسطة في العلم ، وقد استطاع ان يصرع ثوراً هائجاً في السوق وقد حطم الكثير من محلات الباعة فقال له الخواجة “أنت متعافي” . والملاحظ أن البروف التجاني لا يثبت ذلك اللقب في اسمه لأمرٍ في نفسه ، ربما لأنه لا يحب الفخر أو ربما يريد الابتعاد عن السياسة لارتباط الاسم بشفيقه الأصغر عبد الحليم المتعافي . فالرجل يعرف بعلمه وعطائه وأرومته ومحتده .
كان البروف التجاني صوفي النزعة دهرياً يساير الحياة ويغالب الصعاب ولا يحب الشكوى وكثيرا ما ينبهك إلى عدم الضجر وسب الدهر والإكثار من الحمد والتسبيح وتلاوة القرآن ، فالتجاني في الصباح مولود جديد جاء إلى الدنيا في الفجر بروح جديدة كأنها قادمة لتوها من تحت عرش الرحمن بعد أن توفاها الله في منامها حيث تكون النفوس الطاهرة أقرب إلى الله . فتجده إذا دخلت عليه سابحاً في عوالم روحية وسياحة في الذكر الحكيم تدبراً في معانيه متفكراً في آياته فيسمعك تلاوة للشيخ صديق أحمد حمدون ولطالما شده صوته واستغرقه في خشوع عجيب ، كان دائما يحتفظ بتسجيلات عتيقة للقارئين السودانيين متأملا في فنون التلاوة وأحكام التجويد والتحبير والتنغيم وعلاقته بالمعاني في حالات التذكير والتحذير والوعيد .
كان بروف التجاني في خلوته وفي جلوته عالما فريداً ففي خلوته يستقبلك حفياً ومرحباً بوجودك لكن سرعان ما يستوعبك معه في شانه الذي يشغله فتكون مشاركاً معه بلطف وهو ينجز عمله أو إن كان يترجم نصاً أشركك في معاني النص أو ربما قرأه لك وشرح لك بعض مفردات اللغة التي كتب بها النص ، او ربما كان يسمع مديحاً لأولاد حاج الماحي أو البرعي . أو ربما أسمعك بعض سوناتات موزارت أو موسيقى بتهوفن ، او ربما تفرغ لك تماماً وغمرك بسيل من الأسئلة عن احوالك وماذا تفعل ربما كان يبحث عن أمر يساعدك فيه فيكفيك مئونة السؤال .
كان التجاني ترجمانا متعدد اللغات وقد حباه الله بملكة تعلُّم اللغات . ولم يكن ترجماناً معجمياً بل من الذين يجيدون اللغة وآدابها وفنونها وتراثها وألفاظها وأساليبها . بل كان مولعاً بالتنقيب عن أثر الثقافة الإسلامية واللغة العربية على تلك اللغات خاصة في الأدب الروسي الذي أحبه وكان يعده الروس أحد العلماء المرجعيين في لغتهم لما توفر عليه واستظهره من قصائد كبار شعرائهم فتجده هائما مع تولستوي الصوفي أو ليرمنتوف الرومانتيكي وكثيرا ما كتب عن قصائده في مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم وقد ترجم له عدداً من القصائد نشرها في صفحته بجريدة الصحافة بعنوان ‘نافذة المترجم” وقد جمع بيننا هدا الشاعر إذ قمت بترجمة قصيدته الملاك ،The Angle من نص إنجليزي نقلته من الروسية المترجمة الإنجليزية إيارا وكنت قد عقدت مقارنة بينه وبين المقطع الأخير لقصيدة الصوفي المعذب للشاعر التجاني يوسف بشير ، فكانت ملاحظته هي أن الترجمة الانجليزية لم تنقل روح النص الشعري وان الترجمة منه قد تفقد النص شاعريته . كان مغرماً بأشعار بوشكين أمير شعراء الروس وهو من أصل حبشي . وقد مدح النبي محمد ونساء النبي وكتب قصيدة مدح فيها القرآن الكريم وكذلك بونين . وقد نشر ترجمة لنص للشاعر ليرمنتوف بعنوان النخلات الثلاث في مجلة “آداب” التي تصدر عن جامعة الخرطوم ، كما نشرت له ورقة علمية في مجلة المجمع بعنوان “أثر الثقافة الإسلامية والعربية في الأدب الروسي” كان قد قدمها للمجلس العلمي لمجمع اللغة العربية في العام ٢٠٠٩ م
كان الدكتور التجاني صاحب رسالة ثقافية وحضارية في التنقيب عن آثار الثقافة العربية الإسلامية على وجه الخصوص في الآداب العالمية .
أجاد التجاني رحمه الله اللغات الفرنسية والإيطالية وله ترجمات لشعرائها وكتابها تحتاج جهداً لجمعها .
كان البروف التجاني رحمه كذلك مولعاً بترجمة ودراسة الأدب الإنجليزي وله عدة أعمال في هذا الصدد . كان مهتماً جداً بدراسة وترجمة أعمال الشاعرة الأمريكية أميلي دينكسون Emily Dickinson وقد ترجم العديد من قصائدها في نافذته وكان يراسلني بالجديد من أعماله على الواتساب وكان لديه مشروعٌ لعقد مقارنة بينها وبين الشاعر التجاني يوسف بشير خاصة في قصيدة الصوفي المعذب وتعتبر أميلي من الشعراء الكونيين المتصوفة القلائل في أمريكا وكان دائما يعتقد أنها اطلعت على القرآن الكريم لما لمس في شعرها من ظلال قرآنية.
عاش التجاني الجزولي حياة زاخرة بالتجارب ذهب إلى روسيا لعله كان يريد دراسة المعمار ولكنه تحول هناك لدراسة اللغة الروسية التي كانت فرضاً لكل دارس في روسيا ولن يسمح لك بدراسة أي تخصص ما لم تكن مجيدا لها فتفوق فيها وواصل دراسته الجامعية فيها ثم نال درجة الماجستير والدكتوراه .
كان للبروف التجاني رحمه الله السبق في تأسيس شعبة اللغة الروسيةبجامعة الخرطوم في العام ١٩٧٠ وقد اعترفت بها الجامعات الروسية وقد تخرج على يديه الرعيل الأول من دارسي اللغة الروسية في جامعة الخرطوم ، تزوج التجاني فتاة روسية وأنجب منها ولداً مما وثق صلاته بالمجتمع الروسي . كما درس في المانيا وفرنسا وإيطاليا .
كان التجاني مهتماً جداً باللغة العربية وعلومها وآدابها وكان دائب البحث في كتب تفسير القرآن الكريم والمعاجم والقراءات والغريب في القرآن الكريم وكان يرتاد حلقات حفظ القرآن وكان من حيران الشيخ ابراهيم بتوتي للحفظ والتجويد ، لذلك تجده مهتماً بمراجعة وتصحيح ترجمات القرآن وقد أبدى ملاحظاته عليها .
كان التجاني رحمه شعلة من النشاط وقد تولى إدارة المعهد الاسلامي العالمي للترجمة فطَّور مناهجه واستقطب إليه عددا كبيرا من العلماء المتخصصين في مجالات الترجمة في مختلف اللغات والتخصصات واهتم جداً بالنشاط الثقافي وتحسين بيئة العمل وكان يقضي سحابة يومه في المعهد يتابع ويدرس ويشرف على رسائل الدكتوراة والماجستير ويحمل بعض الأعمال إلى بيته بعد صلاة العشاء في معظم الأحيان . كان مهتما بتشجير المعهد بالأشجار المثمرة . فالدكتور التجاني أيضاً كان مزارعا يجيد فلاحة البساتين فهو خبير في هذا المجال من حيث العمليات الزراعية وأنواع الأشجار واحتياجها من الري والسماد ومكافحة الآفات وكل الأعمال الفلاحية . كان يقسم ما يحصده من ثمار لأصدقائه وأقربائه ولكم جاءني في بيتي بقطوف من مزرعته ويبدو عليه الفرح والسرور بانتاج مزرعته
ما اوردته هنا هو غيض من فيض بحكم صداقتي وقربي منه . ولكن الامر يحتاج إلى فريق من الباحثين لجمع أعماله وتحقيقها وتوثيقها وإجراء دراسة بيليوغرافية لأعمال هذا العالم الكبير . وله العديد من الأوراق العلمية والترجمات منشورة في المجلات العلمية المحكمة والدوريات كما له عدد غير قليل من الأوراق التي شارك بها في المؤتمرات والمحافل العلمية .
وأقترح أن يتولى مجمع اللغة العربية هذه المهمة بالتعاون مع المعهد الاسلامي العالمي للترجمة ومعاصريه من العلماء والأساتذة
نسأل الله ان يتغمده بواسع رحمته ويدخله فسيح جناته مع الشعداء والصديقين وحسن أوليك رفيقا.