الطيب كريم الدين يكتب: حقًّا تحتاج للكثير
حقًّا تحتاج للكثير
الطيب كريم الدين
تحتاج إلى الكثير من الوقت لسبر الأغوار السحيقة وإماطة اللثام عمّا يدور حولك. لا تعتمد على ما يصافح أذنيك بين الفينة والأخرى من مبررات فطيرة وطرق تقليدية سطحية كتفسيرٍ له. كن مختلفًا، وانتهج طرقًا مختلفة يحسبها السابلة في الحياة محض هراء وأسطورة أخرى للأولين. وأرجِع البصر إلى الماضي، وأسقط عليه معطيات الحاضر؛ هل ترى من اختلالٍ أو تباين؟!
ما علاقة عين حورس التي تراقب كل شيء ولا يخفى عليها شيء؟ وما علاقتها بشجرة الحياة التي بها كل شيء (الكابالا)؟ وما علاقتها بتقديس الإنسان والموجودات؟ وما ارتباطهما بالذات الإلهية؟ وما هي القنوات التي تصل كل شيء بالذات الإلهية ويمكن تنشيطها عبر الطاقة الروحية؟ ومن أين يتم جلبها؟ وكيف يمكن للإنسان أن يترقّى روحيًا ويتحرر من الجسد عبر طقس التأمل؟ ولأي غاية؟ وما علاقة كل ذلك بما تنفثه هوليوود (كابالا العصر الحديث) ويتلقفه ويتماهى معه فاقد كل شيء، ويفتقد لما يحصنه ضد ما يملأ فراغ الروح ويملكه القلب؟
سُجِّلت إحدى الأغنيات الشرقية، ودار حولها لغطٌ لافتتاحيتها برمز عين حورس وتكرارها كثيرًا في الفيديو، مع ظهور الشجرة ذات الأفرع الجافة، وبعض رموز الماسونية، وظهور خارطة غزة والقلنسوة الشهيرة، وكثير مما نترك لك اكتشافه بنفسك، والفضاء يمنحك ما تسعى إليه وتبحث عنه.
أمعن النظر جيدًا؛ يكتمل لديك المشهد وعلاقته باختراقنا ثقافيًا وجرّنا إلى جرفٍ هارٍ يبتلع كل شيء ويهوي به إلى الضلال والضياع.
اعتمدت الجمعيات السرية عبارات مفتاحية وعلامات أزلية، كالمتنورين وفرسان الهيكل وعقيدة القتلة: (لا تطعن الأبرياء بسيفك، اختبئ في وضح النهار، كن جزءًا من الحشد – Assassins Creed)، وغيرها من الجمعيات التي تجوس خلال الديار وتفعل كل شيء وفقًا لما خُطِّط له زمانًا ومكانًا.
والغافل من ظنّ الأشياء هي الأشياء، والعالم على حافة الضياع، وبات أكثر تهيؤًا لما هو آتٍ، وساكنوه بات أكثرهم يُساق نحو حتفه وهو لا يدري بما يُنسج من شباك لا فكاك منها في الخفاء، وعلى رؤوس الأشهاد تنقضّ ولكنهم لا يبصرون.
وثمّة أسئلة سنلقيها علّنا نشفي غليل الفضول ونهمه: من هم الأبرياء الذين لا ينبغي قتلهم بسيفك؟ ولمَ تختبئ خلال النهار؟ وأي حشد يجب أن تكون جزءًا منه؟ ولا مزيد من الإجابات القاصرة.
ويزعم الكاباليون أن ثمة حاسة سادسة بالإنسان خاملة، وأنهم قادرون على تنشيطها ليرى الإنسان ما خلف الجدر؛ فهو لم يدرك الواقع بالنسبة الكاملة، بل إن 10% فقط هي ما يدركه، وتعاليمهم هي الوسيلة الوحيدة لبناء وعاء الإنسان الروحي لاستقبال نور الخالق الذي يرى به ما هو عاجز عن رؤيته.
ويستشهدون بالمبرزين في مجالات مختلفة ممن كانوا منتسبين لمدرستهم، مثلما ذهب إليه (ماكس ديمونت) في كتابه اليهود، الله والتاريخ بهذا الصدد حول أبرز علماء عهد النهضة الأوروبية (القرن السابع عشر)، وبأنهم لم يجدوا اختلافًا بين مختلف العلوم التجريبية وطلاسم الكابالا، وأن الكابالا مدخل النهضة بشتى مناحيها بتلك الحقبة، وأنها كانت أساسًا ومنطلقًا لما اكتشفوه.
بل ويزعم آخرون أن (ليوناردو دافنشي – القرن الخامس عشر) لم يبدع إلا لأنه كان يعتمد على الكابالا، ومعلوم عن عبقريته اختراعاته غير المسبوقة والرسومات التشريحية لجسم الإنسان.
العالم تمت إعادة هندسته بواسطة الشيطان وأعوانه، ويبقى وعيده بالإضلال والتغيير قائمًا ما قامت خلافة الإنسان على الأرض، ويبقى الاستثناء قائمًا تحرسه العناية الإلهية للذين أخلصوا عبادتهم لله وثبّتهم على عبوديتهم. وهو أمر يلزم العمل، وهو ما لا يلجأ إليه الكثير من الناس؛ فالإخلاص يوجب التقرب إلى الله: (لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه…)، وهو الوسيلة ليرى عبر الوسائل الإلهية ما كان خافيًا، وبات مخلوقًا ربانيًا بتقواه ومعرفته الله تمام المعرفة.