الكتلة الديمقراطية .. أزمة القرار قبل التسوية

الكتلة الديمقراطية .. أزمة القرار قبل التسوية

تقرير: مجدي العجب
في مشهد يعكس تعقيدات المشهد السياسي السوداني وتشابك مسارات التسوية، طفت إلى السطح خلافات علنية داخل ائتلاف الحرية والتغيير – الكتلة الديمقراطية، عقب لقاء عقدته أطراف من مكوناته مع الآلية الخماسية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في خطوة اعتبرها البعض محاولة لكسر الجمود السياسي، بينما رآها آخرون خروجاً على التوافق التنظيمي داخل التحالف نفسه. وتأتي هذه التطورات في توقيت بالغ الحساسية، إذ تكثف الآلية الخماسية — التي تضم الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيقاد والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي — تحركاتها لإيجاد أرضية مشتركة بين القوى السودانية تمهيداً لإطلاق عملية سياسية تبحث مستقبل الحكم وترتيبات المرحلة الانتقالية، في ظل استمرار الحرب وتداعياتها الإنسانية والسياسية. غير أن اللقاء، بدلاً من أن يشكل اختراقاً في جدار الأزمة، فجّر جدلاً داخل الكتلة الديمقراطية حول مسألة التفويض والتمثيل، بعدما أعلن المتحدث باسمها جمعة الوكيل رفضه اعتبار المشاركين ممثلين رسميين للائتلاف، مؤكداً عدم صدور أي تكليف مؤسسي. في المقابل، برز موقف مغاير من المتحدث الآخر محمد زكريا، ما كشف تبايناً واضحاً داخل البنية التنظيمية للتحالف.
ويكتسب الخلاف أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة القوى المنضوية في الكتلة، والتي تضم فصائل مسلحة أبرزها حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي وحركة العدل والمساواة التي يتزعمها جبريل إبراهيم، إلى جانب قوى سياسية بينها الحزب الاتحادي الديمقراطي بقيادة جعفر الميرغني، فضلاً عن مشاركة شخصيات سياسية في لقاء أديس أبابا مثل عبد الرحمن الصادق المهدي ومحمد سيد أحمد الجكومي وتاج الدين بانقا وآخرين. وبينما ترى أطراف أن التواصل الخارجي ضرورة لكسر العزلة السياسية وتهيئة مناخ التفاوض، تحذر أطراف أخرى من أن تعدد القنوات وتباين المواقف قد يضعف موقف القوى المدنية والعسكرية على حد سواء، ويعقّد جهود الوساطة الدولية، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة التحالفات السودانية على إدارة خلافاتها الداخلية قبل خوض أي عملية سياسية شاملة.

 

خلاف ام اختلاف

برزت خلافات علنية، داخل الحرية والتغيير – الكتلة الديمقراطية، بعد عقد تنظيمات في الائتلاف لقاءً مع الآلية الخماسية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. وتسعى الآلية الخماسية، المؤلفة من الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيقاد والأمم المتحدة والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي، إلى محاصرة الأزمة في السودان وتقريب الشقة بين قواه السياسية تمهيدًا لإطلاق عملية تبحث مستقبل الحكم في البلاد.
وتبرأ المتحدث باسم الكتلة الديمقراطية، جمعة الوكيل، من الوفد الذي عقد اجتماعاً في أديس أبابا مع التكتل الخماسي قائلاً إن “الكتلة لم تشارك في اللقاء ولم ترسل وفداً يمثلها إلى أديس أبابا، كما لم يصدر عنها أي إعلان أو تكليف أو تفويض لأي جهة أو شخص لتمثيلها في تلك المشاورات”. وأفادت القوى الوطنية، في وقت سابق، بأنها عقدت لقاءً مع الآلية الخماسية بحثت فيه تحقيق الاستقرار والسلام وقيادة السودانيين لعملية الحوار.
ويتواجد عدد من ممثلي القوى السياسية في أديس أبابا بينهم خالد الفحل ومريم الهندي وعالية أبونا وعبد الرحمن الصادق المهدي ومحمد سيد أحمد الجكومي وتاج الدين بانقا وأعضاء في حركة العدل والمساواة التي يتزعمها جبريل إبراهيم. وذكر جمعة الوكيل المحسوب على حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي أن المجموعة التي شاركت في اللقاء لم تنسق مع الكتلة الديمقراطية.
وتابع: “إذا شارك في الاجتماع أشخاص ينتمون إلى بعض مكونات الكتلة الديمقراطية، فإن مشاركتهم – إن صحت – تمت بصفتهم الشخصية أو التنظيمية الخاصة بهم، ولا تعبر بأي حال من الأحوال عن الموقف الرسمي للكتلة أو مؤسساتها”.
وبعد وقت وجيز من تصريحات جمعة الوكيل، قال المتحدث باسم الكتلة الديمقراطية محمد زكريا إن البيان الصادر من الوكيل “لا يعبر عن إجماع الكتلة، ولم يصدر بتوافق جميع أعضائها أو عبر استكمال الإجراءات المؤسسية المعتمدة”. وأوضح أن الموقف الرسمي للكتلة الديمقراطية سيصدر في بيان لاحق عقب اجتماع هياكلها المختصة للتداول واتخاذ القرار بصورة جماعية.
وعينت الكتلة سابقاً محمد زكريا، المنتمي إلى حركة العدل والمساواة، متحدثاً رسمياً باسمها.
وتضم الكتلة الديمقراطية جماعات مسلحة منها حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة، وقوى سياسية بينها الحزب الاتحادي الديمقراطي – جناح جعفر الميرغني.

أزمة قيادة وتنظيم

ويقول الصحافي والمحلل السياسي عبدالعظيم صالح: ما جرى داخل الحرية والتغيير – الكتلة الديمقراطية لا يمكن اعتباره مجرد تباين إداري عابر، بل يعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة التحالفات السياسية التي تشكلت في ظروف استثنائية عقب اندلاع الحرب. ويضيف في حديث لألوان: تعدد مراكز القرار داخل الكتلة وغياب آلية حسم واضحة جعلا أي تحرك خارجي ــ مثل لقاء أديس أبابا ــ يتحول تلقائياً إلى مصدر خلاف بدل أن يكون أداة لبناء موقف موحد. وزاد في قوله: تحركات الآلية الخماسية التي تضم الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيقاد والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي تضع القوى السودانية أمام اختبار حقيقي: إما الانتقال من تحالفات ردّ الفعل إلى تحالفات البرنامج السياسي، أو البقاء في دائرة المناكفات التي أضعفت المشهد المدني طوال الفترة الماضية. واشار إلى أن تضارب التصريحات بين قيادات الكتلة حول التفويض والتمثيل يكشف أن المشكلة ليست في المشاركة بالحوار من عدمها، بل في غياب رؤية مشتركة لطبيعة العملية السياسية نفسها؛ فبعض الأطراف يتعامل معها كمنبر لتثبيت النفوذ، بينما يراها آخرون بوابة لتأسيس شرعية انتقالية جديدة. وختم حديثه لنا قائلا : أي مبادرة خارجية لن تحقق اختراقاً حقيقياً ما لم تسبقها عملية ترتيب داخلي للقوى السياسية، لأن الأزمة السودانية حسب تقديره أصبحت أزمة قيادة وتنظيم بقدر ما هي أزمة حرب وسلطة.

تضارب التفويض

ويرى مراقبون ومحللون سياسيون أن الخلافات داخل الحرية والتغيير – الكتلة الديمقراطية عقب لقاء أديس أبابا تعكس أزمة بنيوية في طريقة إدارة التحالفات السياسية أكثر من كونها خلافاً حول المشاركة في الحوار. ويشير هولاء المراقبون الذين استطلعتهم ألوان الى أن تعدد مراكز القرار وتضارب التفويض أضعفا قدرة الكتلة على تقديم موقف موحد أمام جهود الوساطة التي تقودها الآلية الخماسية، والتي تضم الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيقاد والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي. ويرجح المحللون أن استمرار الانقسامات سيضعف الوزن التفاوضي للقوى السياسية في أي عملية مقبلة، ما لم تسبقها ترتيبات داخلية تعيد ضبط الهياكل وآليات اتخاذ القرار.

كلفة الانقسامات

وبهذا تكشف هذه التطورات أن طريق التسوية في السودان لا يمر فقط عبر موائد التفاوض الخارجية، بل يبدأ أولاً من قدرة القوى السياسية على توحيد رؤيتها وإدارة خلافاتها داخلياً. فنجاح أي مبادرة ترعاها الآلية الخماسية سيظل رهيناً بوجود شركاء يمتلكون موقفاً متماسكاً وبرنامجاً واضحاً، وإلا ستتحول جولات الحوار إلى مجرد محطات شكلية تؤجل الأزمة ولا تعالج جذورها، في وقت تتزايد فيه كلفة الانقسام على الدولة والمجتمع معاً.