
الطيب صالح .. من مجتمع القرية إلى العالمية
في الذكرى السابعة عشرة لرحيله
الطيب صالح .. من مجتمع القرية إلى العالمية
تقرير: ألوان
في كل عام، تمر ذكرى رحيل الأديب السوداني الكبير الطيب صالح كأنها موعد متجدد مع الضمير الثقافي العربي، واستدعاء لصوتٍ روائيٍّ حمل السودان إلى العالم، وحمل العالم إلى القرية السودانية الصغيرة. لم يكن الطيب صالح مجرد روائي، بل كان شاهدًا على تحولات الهوية، وناقدًا عميقًا لعلاقة الشرق بالغرب، وصانعًا لجسرٍ إنسانيٍّ ظل ممتدًا بين ضفاف النيل وعواصم العالم. في ذكراه، يعود حضوره بقوة؛ لأن كتابته لم تكن مرتبطة بزمنٍ بعينه، بل كانت قراءة مبكرة لأسئلة لا تزال تؤرق الإنسان العربي: الهوية، والاغتراب، والحداثة، وصدام الثقافات. لذلك بقيت أعماله حيّة، تُقرأ بوصفها نصوصًا أدبية عالية القيمة، ومرآةً فكريةً لواقعٍ ممتد. وفي ذكرى رحيله السابعة عشرة، لا نستعيد الطيب صالح بوصفه روائيًا كبيرًا فحسب، بل بوصفه ذاكرة وطن، وصوت إنسان، وجسرًا ثقافيًا بين حضاراتٍ متباعدة. لقد كتب السودان في لحظةٍ كان العالم يبحث فيها عن صورته، فقدم له صورة إنسانية صادقة. سيظل الطيب صالح حيًا في ضمير القراء؛ لأن الأدب الحقيقي لا يموت، ولأن الكلمات التي كُتبت بصدقٍ إنساني تتحول إلى زمنٍ دائم. إنه الكاتب الذي خرج من قريةٍ صغيرة على ضفاف النيل، ليصبح أحد أعمدة الرواية العالمية… وليترك لنا سؤال الهوية مفتوحًا، كما ترك النيل جاريًا في ذاكرة اللغة.
النشأة والبدايات
وُلد الطيب صالح في 12 يوليو 1929 بقرية كرمكول شمال السودان، في إقليم مروي، وسط بيئة ريفية زراعية شكلت لاحقًا العمود الفقري لعالمه الروائي.
نشأ في مجتمعٍ بسيط متماسك، وكانت القرية السودانية بنظامها الاجتماعي وقيمها الأخلاقية مصدر الإلهام الأساسي لشخصياته وأحداثه.
درس المرحلة الابتدائية في منطقة وادي سيدنا، ثم انتقل إلى الخرطوم لإكمال تعليمه، حيث حصل على درجة البكالوريوس في العلوم.
لاحقًا سافر إلى لندن، ودرس العلوم السياسية، وهو انتقالٌ ثقافيٌّ ترك أثرًا بالغًا في رؤيته الفكرية والأدبية.
مسيرته المهنية وحياته العملية
لم تكن حياة الطيب صالح الأدبية منفصلة عن تجربته المهنية الدولية. فقد عمل سنوات طويلة في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، وترقى حتى أصبح مدير قسم الدراما.
بعد ذلك عاد إلى السودان، ثم عمل في وزارة الإعلام القطرية، كما شغل منصبًا في منظمة اليونسكو بباريس وممثلًا لها في الخليج العربي.
هذا التنقل بين العواصم والثقافات أكسبه رؤية عالمية عميقة انعكست في أعماله، حيث تبدو شخصياته دائمًا في حالة عبور بين الجغرافيا والهوية.
مشروعه الأدبي ورؤيته الفكرية
بدأ الطيب صالح الكتابة في خمسينيات القرن العشرين، وسرعان ما أصبح أحد أبرز الأصوات في الأدب العربي الحديث.
تميز أسلوبه بالسرد العميق، واللغة الشعرية، والقدرة على تصوير الطبيعة السودانية والوجدان الإنساني ببراعة نادرة.
تناولت أعماله موضوعات مثل: صراع الهوية بين الشرق والغرب تأثير الاستعمار والحداثة، التحولات الاجتماعية في الريف السوداني، العلاقة بين الفرد والمجتمع، الذاكرة والانتماء.
أبرز مؤلفاته
ترك الطيب صالح إرثًا أدبيًا ثريًا، من أبرز أعماله:
1. موسم الهجرة إلى الشمال (1966)
تُعد أشهر رواياته وأحد أهم الأعمال في الأدب العربي الحديث، وتتناول صدام الحضارات والهوية والاغتراب. اختيرت ضمن أفضل الروايات العربية في القرن العشرين.
2. عرس الزين
رواية تحتفي بالحياة الريفية السودانية وتصور مجتمع القرية بروح إنسانية دافئة.
3. بندر شاه
عمل روائي مركب يستكشف التحولات الاجتماعية والتاريخية في السودان.
4. دومة ود حامد
مجموعة قصصية تعكس ملامح الحياة السودانية وتنوعها الثقافي.
5. مريود
تتمة روائية ضمن عالم بندر شاه، تعمق الأسئلة الوجودية والاجتماعية.
الترجمات والانتشار العالمي
تُرجمت أعمال الطيب صالح إلى لغات عالمية عديدة، وأسهمت في تعريف العالم بالأدب السوداني والثقافة العربية. وقد نالت رواية موسم الهجرة إلى الشمال اهتمامًا أكاديميًا واسعًا، ودُرست في جامعات عالمية بوصفها نصًا مهمًا في أدب ما بعد الاستعمار.
تأثيره ومكانته الأدبية
لقّبه النقاد بـ”عبقري الرواية العربية”، نظرًا لقدرته على المزج بين المحلية والإنسانية الشاملة. نجح في تحويل القرية السودانية إلى فضاء إنساني عالمي، وفي تقديم الإنسان العربي بوصفه كائنًا معاصرًا يعيش قلق الهوية وتحديات العصر. كما أُنشئت جائزة أدبية باسمه تكريمًا لإسهامه في تطوير الرواية العربية، وتخليدًا لدوره الثقافي.
رحيله وبقاء الأثر
توفي الطيب صالح في 18 فبراير 2009 في لندن، بعد رحلة إبداعية امتدت عقودًا. لكن رحيله لم يُنه حضوره؛ فكتبه لا تزال تُقرأ، وتُعاد طباعتها، وتثير النقاشات النقدية، وكأن صاحبها لم يغادر المشهد الثقافي.