حسن بشير يكتب: التنمية في ولاية نهر النيل بين الإمكانيات الواعدة وتحديات الواقع

ضربة جزاء

حسن بشير

التنمية في ولاية نهر النيل… بين الإمكانيات الواعدة وتحديات الواقع

 

تُعد ولاية نهر النيل واحدة من أهم ولايات السودان من حيث الموقع الجغرافي والموارد الاقتصادية والتاريخ الحضاري، إذ تمتد على ضفاف نهر النيل الذي شكّل عبر العصور شريان الحياة ومصدر الاستقرار السكاني والنشاط الزراعي والتجاري. ومع ما تمتلكه الولاية من إمكانيات طبيعية وبشرية كبيرة، ظل ملف التنمية فيها محور اهتمام المواطنين والسلطات على حد سواء، باعتبارها نموذجًا يمكن أن يسهم في دعم الاقتصاد الوطني إذا ما أُحسن استغلال موارده بصورة علمية ومستدامة.
تتميز ولاية نهر النيل بتنوع مواردها الاقتصادية، وعلى رأسها القطاع الزراعي الذي يُعد العمود الفقري للنشاط الاقتصادي في المنطقة. فالأراضي الخصبة الممتدة على ضفاف النهر، إلى جانب توفر المياه بصورة دائمة، يمنحان الولاية ميزة نسبية في إنتاج المحاصيل الزراعية المختلفة، مثل القمح والخضروات والفاكهة، إضافة إلى الأعلاف. وقد ساهمت المشاريع الزراعية التقليدية والحديثة في توفير فرص عمل واسعة للسكان، كما دعمت الأمن الغذائي على المستوى المحلي والوطني. غير أن هذا القطاع لا يزال بحاجة إلى تحديث وسائل الري، وتوفير التقانات الزراعية الحديثة، وتحسين خدمات الإرشاد الزراعي حتى يحقق إنتاجية أعلى.
إلى جانب الزراعة، تلعب الثروة المعدنية دورًا متزايد الأهمية في اقتصاد ولاية نهر النيل، خاصة في مجال التعدين الأهلي والمنظم للذهب. فقد أصبحت مناطق التعدين مصدر دخل رئيسي لآلاف الأسر، وأسهمت في تنشيط الحركة التجارية والخدمية في المدن والقرى المجاورة. إلا أن هذا النشاط يواجه تحديات تتعلق بالسلامة البيئية والصحية، ما يتطلب تنظيمًا أكبر، وإدخال تقنيات تعدين آمنة، ووضع ضوابط تحافظ على البيئة وصحة الإنسان، حتى تتحول الثروة المعدنية إلى رافعة تنموية حقيقية لا مصدرًا للمخاطر.
كما تُعد البنية التحتية أحد أهم مؤشرات التنمية في الولاية. فقد شهدت ولاية نهر النيل خلال السنوات الماضية توسعًا نسبيًا في شبكات الطرق والكهرباء والخدمات، الأمر الذي ساهم في ربط المدن والقرى وتحسين حركة التجارة والتنقل. ويُعتبر طريق التحدي وعدد من الطرق القومية عاملًا مهمًا في تعزيز النشاط الاقتصادي، خاصة مع موقع الولاية الذي يربط شمال السودان بوسطه وشرقه. ومع ذلك، لا تزال بعض المناطق الريفية تعاني من ضعف الخدمات الأساسية، ما يستدعي توجيه مزيد من الاستثمارات نحو الطرق الداخلية والمياه والكهرباء لضمان تنمية متوازنة تشمل جميع المحليات.
وفي مجال التعليم، حققت الولاية تقدمًا ملحوظًا من خلال انتشار المدارس والمؤسسات التعليمية، إلى جانب وجود جامعات وكليات أسهمت في استقرار الطلاب داخل الولاية وتقليل الهجرة التعليمية. غير أن التحدي الأكبر يتمثل في تحسين البيئة المدرسية وتوفير المعلمين المؤهلين والوسائل التعليمية الحديثة، بما يتماشى مع متطلبات العصر وسوق العمل. فالتنمية الحقيقية تبدأ ببناء الإنسان وتأهيله علميًا ومهنيًا ليكون قادرًا على الإسهام في الإنتاج والتنمية.
أما القطاع الصحي، فرغم وجود عدد من المستشفيات والمراكز الصحية، إلا أن الضغط السكاني واتساع الرقعة الجغرافية يفرضان الحاجة إلى تطوير الخدمات الصحية، خاصة في المناطق البعيدة. ويتطلب الأمر دعم الكوادر الطبية وتوفير الأجهزة والمعدات وتحسين خدمات الطوارئ والإسعاف، حتى يحصل المواطن على خدمة صحية لائقة دون الحاجة إلى السفر لمسافات طويلة.
ولا يمكن الحديث عن التنمية دون التطرق إلى دور المجتمع المحلي والقطاع الخاص. فقد أثبتت التجارب أن مشاركة المواطنين في المبادرات التنموية، سواء عبر الجمعيات التعاونية أو المبادرات الشبابية، تُسهم بشكل كبير في تحقيق التنمية المستدامة. كما أن تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي في مجالات الزراعة والصناعة والسياحة يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة للنمو الاقتصادي، خاصة أن الولاية تزخر بمواقع أثرية وسياحية ذات قيمة تاريخية كبيرة يمكن أن تشكل موردًا اقتصاديًا مهمًا إذا ما تم تطويرها بصورة مناسبة.
في المقابل، تواجه التنمية في ولاية نهر النيل عددًا من التحديات، أبرزها الظروف الاقتصادية العامة التي تمر بها البلاد، وضعف التمويل، وهجرة الكفاءات، إضافة إلى تأثيرات التغيرات المناخية التي انعكست على الإنتاج الزراعي. ولذلك فإن تحقيق تنمية حقيقية يتطلب رؤية استراتيجية طويلة المدى تقوم على التخطيط العلمي، وتعزيز الشفافية، وتنسيق الجهود بين الحكومة والمجتمع والقطاع الخاص.
ختامًا، يمكن القول إن ولاية نهر النيل تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لتكون نموذجًا تنمويًا ناجحًا في السودان، لكنها تحتاج إلى استثمار واعٍ للموارد، وإدارة فعالة للمشروعات، وتركيز أكبر على الإنسان باعتباره أساس التنمية وغايتها. فحين تتكامل الإرادة السياسية مع المشاركة المجتمعية والتخطيط السليم، تصبح التنمية واقعًا ملموسًا ينعكس على حياة المواطنين واستقرارهم وازدهارهم.