
رسائل حاسمة من البرهان حول الحرب والسلام
في فعاليات اليوم الوطني لتحرير أمدرمان
رسائل حاسمة من البرهان حول الحرب والسلام
تقرير: الهضيبي يس
في لحظة مشحونة بالرمزية التاريخية والسياسية، عادت أمدرمان إلى واجهة المشهد الوطني باعتبارها نقطة الانطلاق نحو استعادة الدولة وإعادة صياغة المستقبل. مشاركة رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان في فعاليات اليوم الوطني لتحرير أمدرمان لم تكن مجرد مناسبة احتفالية، بل منصة لإطلاق رسائل استراتيجية تتعلق بمسار الحرب، وشروط السلام، وترتيبات الانتقال السياسي.
الخطاب ربط بين تاريخ المدينة في الملاحم الوطنية، بدءاً من الثورة المهدية، ودورها الراهن في العمليات العسكرية التي انطلقت من منطقة وادي سيدنا وأسهمت في تحرير الخرطوم. كما أبرز الدور الشعبي لأهل أمدرمان في دعم المجتمع خلال الحرب، مؤكداً أن معركة الدولة لا تُخاض بالسلاح فقط، بل بالتكافل الاجتماعي والصمود المدني. وفي ظل استمرار الحرب وتعثر المبادرات السياسية، حملت تصريحات البرهان إشارات واضحة حول شكل التسوية الممكنة، وحدود القبول بالوساطات الخارجية، ودور الشباب والقوى المجتمعية في بناء السودان بعد الحرب.
وشارك رئيس مجلس السيادة في احتفالات اليوم الوطني لتحرير أمدرمان التي نظمها أهالي أمدرمان القديمة تحت شعار «من التاريخ نستمد القوة وبالأمل نصنع المستقبل»، موجهاً التحية لسكان المدينة ومشيداً بدورهم في مختلف الملاحم الوطنية. وأكد البرهان أن تحرير الخرطوم من التمرد انطلق من أمدرمان، وتحديداً من منطقة وادي سيدنا العسكرية، رابطاً ذلك بالدور التاريخي للمدينة التي انطلقت منها الثورة المهدية. كما ترحم على شهداء أمدرمان الذين قدموا أرواحهم فداء للوطن، متعهداً بأن دماءهم لن تذهب سدى.
وأشاد بالاستجابة الواسعة لأبناء أمدرمان لنداء الاستنفار، ودورهم في إسناد المواطنين الذين بقوا داخل المدينة خلال الحرب، خاصة عبر مبادرات التكايا التي وفرت الغذاء للمحتاجين، معتبراً أن هذه التجارب تعكس قوة التماسك الاجتماعي.
وشدد البرهان على عدم القبول بأي هدنة ما دامت المليشيا تحتل المدن وتمارس الانتهاكات، مؤكداً أن أي وقف لإطلاق النار يجب أن يسبقه انسحاب القوات من المناطق التي تسيطر عليها وتجميعها في مواقع محددة. كما أعلن رفض السودان لأي دور لدولة الإمارات كوسيط، متهماً إياها بدعم التمرد.
ووجّه رسائل للمعارضة في الخارج مؤكداً الترحيب بكل من لم يحرّض أو يسيء للوطن، مشدداً في الوقت ذاته على أن من يتحدث باسم السودانيين للإساءة إليهم لا مكان له بينهم.
وكشف رئيس مجلس السيادة عن ترتيبات جارية لاستكمال المرحلة الانتقالية وتكوين المجلس التشريعي، مع تمثيل واسع للشباب ولجان المقاومة والقوى التي صمدت خلال الحرب، مؤكداً ضرورة مشاركتهم في صناعة السلام والمستقبل.
ويرى محللون أن خطاب البرهان من أمدرمان يحمل دلالات تتجاوز البعد الاحتفالي إلى إعادة صياغة الرواية الرسمية للحرب ومآلاتها السياسية. فاختيار أمدرمان منصة لإعلان المواقف يعزز رمزية المدينة كمركز للشرعية التاريخية والوطنية، ويمنح الخطاب بعداً وجدانياً يعزز التعبئة الشعبية. كما أن الربط بين العمليات العسكرية ومفاهيم التكافل المجتمعي يشير إلى محاولة بناء سردية “الدولة والمجتمع معاً” في مواجهة الحرب.
من ناحية أخرى، فإن تشديده على شروط وقف إطلاق النار يعكس تمسك القيادة العسكرية بموقف تفاوضي قائم على الوقائع الميدانية، وليس الضغوط الدولية. أما رفض وساطة الإمارات فيكشف عن تصعيد دبلوماسي قد يعيد تشكيل توازنات الوساطة الإقليمية.
في المقابل، فإن الحديث عن المجلس التشريعي وتمثيل الشباب ولجان المقاومة يشير إلى إدراك متزايد لأهمية الشرعية المدنية في مرحلة ما بعد الحرب. ويؤكد الخبراء أن نجاح أي تسوية مستقبلية سيعتمد على تحقيق توازن بين الحسم العسكري والانفتاح السياسي، بما يضمن انتقالاً مستقراً يعيد بناء مؤسسات الدولة ويستجيب لتطلعات الشارع السوداني.