
المتمرد حميدتي .. خطاب الهزيمة في كمبالا
تقرير: مجدي العجب
في خطابٍ أثار جدلاً واسعاً داخل السودان وخارجه، أطلّ قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف بـ”حميدتي”، من العاصمة الأوغندية كمبالا، في ظهورٍ بدا مثقلاً بالتناقضات والرسائل المتوترة. حديثه الذي جاء من قلب أوغندا حمل في طياته اعترافات غير مسبوقة، وأوحى في الوقت ذاته بوجود حالة فتور وعدم رضا من جانب الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني تجاه تحركات المليشيا وأنشطتها. الخطاب، الذي حاول فيه حميدتي إعادة رسم صورته السياسية والعسكرية، تضمّن إقراراً صريحاً باستجلاب مقاتلين أجانب للانخراط في الحرب الدائرة، في اعتراف يُعدّ بالغ الخطورة على المستويين القانوني والسيادي، ويعزز الاتهامات المتداولة بشأن تدويل الصراع. كما أقرّ بشكل واضح بخسارته المعركة في العاصمة الخرطوم وانسحابه من مناطق واسعة في وسط البلاد، في اعتراف يُقرأ باعتباره إعلاناً ضمنياً بفشل مشروعه العسكري في مواجهة القوات المسلحة السودانية.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الاعترافات الميدانية، بل تجاوز ذلك إلى لهجة تصعيدية حملت استعداءً صريحاً لعدد من الدول العربية، من بينها المملكة العربية السعودية، في خطاب اتسم بالانفعال ووجّه رسائل اعتبرها مراقبون محاولة للضغط السياسي عبر توسيع دائرة الخصومة الإقليمية.
هذا الظهور يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل المليشيا بعد خسائرها الميدانية، وحول طبيعة علاقتها ببعض العواصم الإقليمية، لا سيما في ظل مؤشرات على عدم ارتياح القيادة الأوغندية لتحويل أراضيها إلى منصة لخطابات ذات أبعاد عسكرية وسياسية حساسة. وبين اعتراف بالهزيمة، وإقرار باستجلاب المرتزقة، وتصعيد ضد دول عربية، يبدو أن خطاب كمبالا شكّل محطة مفصلية في مسار الأزمة، وكشف عن حجم المأزق الذي تواجهه المليشيا في الداخل والخارج على حد سواء.
مأزق حميدتي
الملفت في الامر أنه يعكس حجم المأزق السياسي والعسكري الذي تعيشه المليشيا، والتي جدّد قائدها محمد حمدان دقلو رفضه لمنبر منبر جدة، في موقفٍ اعتبره مراقبون تأكيداً على رغبة المليشيا في التنصل من أي مسار تفاوضي جاد ترعاه المملكة العربية السعودية بالشراكة مع الولايات المتحدة. وجاء هذا الرفض في سياق خطاب اتسم بلهجة دفاعية، عكست إدراكاً متزايداً بتراجع الحاضنة الشعبية وتضاؤل الخيارات السياسية.
الأكثر دلالة في حديثه كان إقراره الصريح بأن قطاعات واسعة من الشعب السوداني باتت تنظر إلى المليشيا بسخط ورفض، في اعتراف يُعدّ تحولاً مهماً في الخطاب الإعلامي الذي طالما حاول تصوير الصراع باعتباره معركة ذات ظهير اجتماعي. هذا الاعتراف، الذي جاء على غير العادة، يسلّط الضوء على عمق الأزمة التي تواجهها المليشيا بعد أشهر من الحرب وما خلفته من دمار ونزوح وانتهاكات.
وبرفضه منبر جدة، يغلق قائد المليشيا أحد أبرز الأبواب الإقليمية المطروحة لوقف إطلاق النار ومعالجة تداعيات الحرب، في خطوة يراها كثيرون تعبيراً عن ارتباك سياسي ومحاولة لكسب الوقت، أكثر من كونها رؤية واضحة للحل. وبين اعترافٍ بخسارة التعاطف الشعبي، وتمسكٍ بخيار التصعيد ورفض المبادرات، يبدو أن خطاب المليشيا الأخير يكشف عن مرحلة جديدة عنوانها العزلة السياسية وتآكل المشروعية، داخلياً وخارجياً.
الهزيمة تتخلل كلمات دقلو
وقد تصاعد الغضب الشعبي واتساع رقعة المعاناة، برزت ملامح رفضٍ واسع من قطاعات كبيرة من السودانيين للمليشيا لذلك كان قائد المليشا محمد حمدان دقلو، اكثر صدقا من غيره اذ اقر خلال خطابه بكره الشعب السوداني لهم بعد ارتكاب المليشيا انتهاكات جسيمة طالت المدنيين في عدد من المدن والقرى. فهذا الرفض لم يأتِ في فراغ، بل تشكّل على وقع روايات وشهادات عن اعتداءات على الأحياء السكنية، وعمليات نهب واسعة للممتلكات الخاصة والعامة، إضافة إلى تقارير عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، من بينها حوادث اغتصاب وعنف ممنهج.
ومع امتداد رقعة الحرب من الخرطوم إلى ولايات الوسط ودارفور، تعمّقت حالة السخط الشعبي، إذ وجد المواطن نفسه بين نار الحرب وفقدان الأمان، في مشهدٍ عزز القناعة لدى كثيرين بأن ما جرى تجاوز حدود المواجهة العسكرية إلى استهداف مباشر للمجتمع المدني ومقدراته.
هذا المناخ المشحون أسهم في تآكل أي رصيد اجتماعي كانت تحاول المليشيا الاستناد إليه، وحوّل المزاج العام إلى حالة رفض واضحة، تُحمّلها مسؤولية كل الانفلات الأمني والانتهاكات التي وثقتها منظمات محلية ودولية. وبين الألم المتراكم وفقدان الثقة، يتكرّس في الشارع السوداني موقفٌ رافض لأي مشروع يُبنى على السلاح خارج إطار الدولة ومؤسساتها الرسمية.
احراج للدولة المضيفة
ويقول الاكاديمي والمحلل السياسي الدكتور الرشيد محمد إبراهيم، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أن خطاب قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، الأخير، يُعدّ انعكاساً حقيقياً على حجم الأزمة التي تواجهها المليشيا، سواء داخل السودان أو على المسرح الإقليمي والدولي. واضاف في حديثه لالوان الإطلالة لم تكن مجرد حديث عابر، بل مؤشر شبه قاطع على تراجع القوة السياسية والعسكرية لهذه المؤسسة الميليشياوية، بعد أن باتت خسائرها الميدانية واغترابها عن الشارع السوداني يظهران بوضوح في مضمون خطاب القائد نفسه.
واكد أن الشعب السوداني لم يعد يتفاعل مع الخطاب المليشاوي التقليدي، إذ أن ما يُقدَّم من تسويغات أو تبريرات بات يُقابل برفض واسع في الشارع، بسبب الانتهاكات والاعتداءات التي مارستها المليشيا بحق المدنيين ونهبها للممتلكات واتهامات بالاغتصاب والعنف المنهجي في مناطق عديدة. وقطع لا يمكن تفسيره إلا على أنه تآكل حقيقي في حاضنة الدعم المحلي، وهو ما ينعكس في ضعف التأييد الداخلي وخيبة الأمل التي يشعر بها كثير من السودانيين تجاه خطاب حميدتي.
وعلى المستوى الإقليمي قال دكتور الرشيد في حديثه لنا قائلا: استعداء قائد المليشيا لعدد من الدول العربية والاسلامية عبر خطابه الذي اطلقه من يوغندا ربما يدخل يوغندا في احراج مع هذه الدول الامر الاذي وضع موسفيني في حيرة حول كيفية التعامل مع خطاب حميدتي
وختم حديثه لنا :خطا قائد المليشيا ليس كتصعيدٍ عابر، بل ك دليلٍ على فقدان البوصلة السياسية والعسكرية للمليشيا، وتآكل مشروعيتها أمام السودانيين، وخلق حالة من الحرج في المواقف الإقليمية، وهو ما يعمّق أزمة المليشيا ويضعها في موقع دفاعي أمام سياقات إقليمية ودولية أكثر حسماً وإدراكاً لطبيعة الصراع
الحرج والاحباط
فيما يرى الاكاديمي والمحلل السياسي الدكتور محي الدين محمد محي الدين، ، أن خطاب حميدتي الأخير كان أشبه بـ«اعتراف علني بالهزيمة السياسية والعسكرية»، وتجلّى ذلك في نبرة الدفاع المتهافتة والاستعداء العلني للدول المحورية في المنطقة. وزاد في حديث خص به ألوان: رفضه لمنبر جدة، وإحالته إلى لغة استفزازية ضد السعودية ودول عربية أخرى، لا يعكس فقط صلف قائد ميليشيا، بل يُظهر عمق عزلة هذه القوة عن أي دعم سياسي واقعي.
ويضيف الاعتراف بإفلاس مشروع المليشيا وتراجعها في الخرطوم والوسط، وتأكيده على أن غالبية الشعب السوداني قد كرهتهم بسبب ما ارتكبته من اعتداءات ونهب واغتصاب، هو اعتراف غير مباشر بفشل مشروع الدم والفوضى الذي تبنّته هذه المليشيا.
وفي ختام حديثه لنا قال: هذا الخطاب، في تقديري، لن يُلهم سوى الحرج والإحباط لدى قادة إقليميين مثل موسيفيني الذين وجدوا أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه، حيث يُستخدَم وجودهم كمنصة لتصعيد لهجة الاستعداء بدل بناء الثقة وإيجاد مسارات سلام.
اعترافات الهزيمة وتصعيد الخطاب
اذأ فقد كشف خطاب قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو عن مرحلة مفصلية في مسار الصراع؛ مرحلة تتداخل فيها اعترافات الهزيمة مع تصعيد الخطاب واستعداء المحيط الإقليمي. وبين رفض منبر منبر جدة، والإقرار بتآكل الحاضنة الشعبية، تتضح ملامح عزلة سياسية تتسع يوماً بعد آخر.
فالرهان على لغة التصعيد بعد خسارة الأرض والشارع لا يصنع واقعاً جديداً، بل يعمّق الفجوة بين المليشيا والمجتمع، ويضع حلفاءها المحتملين في موضع الحرج، خاصة في عواصم إقليمية كـكمبالا. وفي المقابل، تبدو معادلة الدولة ومؤسساتها أكثر تماسكاً في نظر قطاعات واسعة من السودانيين الباحثين عن الأمن والاستقرار.
هكذا، يتجه المشهد نحو إعادة فرزٍ سياسي وعسكري واضح: مشروع دولة يسعى لاستعادة السيطرة وبسط القانون، في مواجهة مليشيا تتآكل أوراقها داخلياً وخارجياً، وتزداد عزلتها مع كل خطاب تصعيدي جديد.