د. نجلاء حسين المكابرابي تكتب: خطر انتشار حمى الضنك في السودان

مسارات

د. نجلاء حسين المكابرابي

خطر انتشار حمى الضنك في السودان

يشهد السودان في المرحلة الراهنة تصاعدًا مقلقًا في حالات الإصابة بحمى الضنك، في سياق صحي وإنساني بالغ التعقيد. فالبلاد التي تعاني من تداعيات الحرب، وتراجع البنية التحتية، وضعف منظومة الخدمات الأساسية، أصبحت بيئة خصبة لانتشار الأمراض المنقولة بالنواقل، وفي مقدمتها حمى الضنك.
أولاً: ما هي حمى الضنك ولماذا هي خطيرة؟
حمى الضنك مرض فيروسي تسببه أربعة أنماط من فيروس الضنك، وينتقل عبر بعوضة Aedes aegypti. تتراوح الأعراض بين الحمى الشديدة، وآلام المفاصل والعضلات، والصداع الحاد، وصولاً إلى الشكل النزفي الخطير الذي قد يؤدي إلى فشل الأعضاء والوفاة إذا لم يتم التدخل الطبي في الوقت المناسب.
خطورة المرض لا تكمن فقط في ارتفاع عدد الإصابات، بل في احتمال تطور نسبة من الحالات إلى ما يُعرف بـ”حمى الضنك الشديدة”، وهي حالة طبية طارئة تحتاج إلى رعاية مكثفة غير متوفرة في كثير من المناطق السودانية حالياً.
ثانياً: السياق السوداني… بيئة مثالية لتفشي المرض
وفق تقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية، فإن السودان يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الصحية في تاريخه الحديث. أكثر من نصف المرافق الصحية خارج الخدمة، ونقص حاد في الكوادر والمستلزمات الطبية، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى المناطق المتأثرة بالنزاع.
انتشار حمى الضنك في هذا السياق يُعدّ تهديدًا مضاعفًا للأسباب التالية:
تدهور خدمات المياه والصرف الصحي. تراكم المياه الراكدة نتيجة الأمطار الموسمية، وغياب شبكات تصريف فعالة، يوفر بيئة مثالية لتكاثر بعوض Aedes.
النزوح الداخلي والاكتظاظ السكاني
مع انتقال ملايين المواطنين إلى مراكز إيواء مؤقتة، تتزايد فرص انتقال العدوى في ظل ضعف وسائل الوقاية.
ضعف نظم الترصد الوبائي
قلة الفحوصات المخبرية تعني أن الأرقام المعلنة قد لا تعكس الحجم الحقيقي للانتشار.
ثالثاً: الأبعاد الصحية والاقتصادية والاجتماعية
الضغط على النظام الصحي
تزايد حالات الحمى النزفية يُنهك المستشفيات التي تعاني أصلاً من نقص المحاليل الوريدية، وأجهزة المراقبة، ووحدات العناية المركزة. أي موجة وبائية واسعة قد تؤدي إلى انهيار كامل في الخدمات العلاجية.
ارتفاع معدلات الوفيات غير المباشرة، حين تنشغل المرافق الصحية بحالات الضنك، تتراجع القدرة على علاج أمراض أخرى مثل الملاريا والكوليرا وسوء التغذية، مما يضاعف الخسائر البشرية.
الأثر الاقتصادي
إصابة شريحة واسعة من القوى العاملة تعني انخفاض الإنتاجية، وزيادة الإنفاق الأسري على العلاج، في بلد يعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية حادة.
رابعاً: احتمالات التصعيد
تاريخ السودان مع حمى الضنك يُظهر نمطًا متكررًا من التفشي الموسمي، خاصة في ولايات البحر الأحمر، كسلا، الخرطوم، والجزيرة، والقضارف، وظهرت مؤخراً في الولاية الشمالية، حيث أبلغت وزارة الصحة مؤخراً عن تسجيل إصابات بحمى الضنك في عدة مناطق من البلاد، أبرزها محلية مروي بولاية الشمالية، حيث ارتفع عدد الحالات المؤكدة إلى حوالي 60 حالة، مع تسجيل وفاة واحدة حتى الآن — وذلك في تقرير صدر اليوم تقريبًا.
وفي تقارير سابقة من نهاية 2025، أُبلِغ عن آلاف حالات حمى الضنك في عدة ولايات، في سياق موجة من الأمراض المتزامنة تشمل الكوليرا والملاريا.
ومع التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة، يُتوقع اتساع النطاق الجغرافي للمرض.
الأخطر هو احتمال تكرار العدوى بأنماط فيروسية مختلفة، ما يزيد خطر الإصابة بالشكل النزفي الشديد.
خامساً: ما المطلوب لمواجهة الخطر؟
تعزيز حملات مكافحة النواقل (رش المبيدات، إزالة بؤر التكاثر).
إعادة تأهيل مراكز الرعاية الأولية لضمان التشخيص المبكر والعلاج الداعم.
رفع الوعي المجتمعي حول أعراض الإنذار المبكر مثل النزيف وآلام البطن الشديدة.
دعم دولي عاجل لتوفير الإمدادات الطبية وتعزيز الترصد الوبائي.
وأخيراً انتشار حمى الضنك في السودان ليس مجرد تحدٍ صحي عابر، بل مؤشر على هشاشة بنيوية عميقة في منظومة الصحة العامة. إن استمرار الإهمال أو ضعف الاستجابة قد يحول المرض إلى أزمة وطنية واسعة النطاق، تتداخل فيها الأبعاد الصحية والإنسانية والاقتصادية.
المعركة ضد حمى الضنك اليوم هي معركة من أجل إنقاذ ما تبقى من النظام الصحي، وحماية المجتمع السوداني من موجة وبائية قد تكون الأكثر خطورة في تاريخه الحديث.