إبراهيم شقلاوي يكتب: عنتبي .. مسرح الاحتمالات الحرجة

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي

عنتبي… مسرح الاحتمالات الحرجة

جاءت زيارة محمد حمدان دقلو «حميدتي» إلى عنتبي بعد أسبوع واحد من زيارة نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار، في توقيت يعكس تداخل المسارات وتزاحم الرسائل السياسية. الزيارة التي استقبل فيها الرئيس الأوغندي يورى موسيفيني الوفد في القصر الرئاسي، تعد تحركا سياسيا يسعى الي اعادة تعويض تراجع المليشيا قبيل أي خطوات حاسمة على الأرض، خصوصًا في ظل تقدم الجيش السوداني في جميع محاور القتال واقترابه من طي ملف الحرب في كردفان والتقدم المرتقب نحو دارفور.

زيارة عقار المتكررة إلى أوغندا هدفت، على ما يبدو، إلى إبقاء كمبالا ضمن مجال التواصل الرسمي ومنع انزلاقها نحو أي ترتيبات موازية، وقد حصل على تعهد أوغندي بعدم الاعتراف بأي حكومة موازية. لكن السياسة لا تُدار بالتعهدات وحدها، بل بحضور مستمر يوازن بين الرسائل والوقائع، ومن هنا حاول وفد «تأسيس» إيجاد نافذة للتحرك الدبلوماسي.

في هذا السياق، يمكن قراءة زيارة حميدتي إلى عنتبي كمحاولة استباقية لخلق موطئ قدم في أي مسار تفاوضي إفريقي محتمل، بعد تعثر رهاناته الميدانية وتزايد الضغوط القانونية والإعلامية عليه. ومع ذلك فإن مضمون خطابه الأخير، بما حمله من اعترافات حول تجنيد مرتزقة كولومبيين لتشغيل المسيرات وفشل الدفع بالمرتبات لجنوده وإخفاقات في حماية المدنيين، وقصف الإغاثة وضعه في موقف دفاعي حرج أمام الرأي العام الداخلي والخارجي ، وكشف هشاشة تحالفه داخليًا وإقليميًا.

تزامنت هذه التحركات مع انعقاد جلسة مجلس الأمن الخميس، التي شهدت إحباط محاولات تمرير مخطط هدنة بواسطة داعمي المليشيا، فرضت بعض بنودها على الحكومة السودانية. المناقشات ركزت على دعم المبادرات الإقليمية لوقف إطلاق النار، منع تدفق السلاح، وحماية المدنيين، وسط تحذيرات أممية من تفاقم الأزمة الإنسانية وتوسع رقعة القتال في دارفور وكردفان والنيل الأزرق. تصريحات ممثل السودان أمام المجلس أكدت أن النزاع يمثل “حرب عدوان ممنهج” تهدد وجود الدولة، وأن خارطة الطريق التي تقدمت بها الحكومة في ديسمبر 2025 تستند إلى الملكية الوطنية لتحقيق السلام والمصالحة وصولًا إلى تنظيم انتخابات.

زيارة عنتبي التي ضمت قيادة تحالف المليشيا ، شكلت محاولة لإعادة إنتاج مشروع سياسي انهار تحت وطأة الإدانات الدولية والخسائر الميدانية وفشل تمرير أجنداته داخل مجلس الأمن. لم تكن الصور ولقاء الاعلامين وانصار التمرد مجرد علاقات عامة، بل أداة لإيصال رسالة تماسك شكلي وتهدئة المخاوف المتنامية حول قدرتهم على الاستمرار في المشهد، في وقت تشهد فيه الخرائط الدولية إعادة تعريف النزاع على أنه عدوان خارجي وحرب بالوكالة تخاض للسيطرة على الموارد، حيث تتقاطع الضغوط الإنسانية مع الحسابات السياسية والاستراتيجية العسكرية.

في الوقت ذاته، لعبت المبادرة السودانية التي قدمتها الحكومة السودانية نهاية العام الماضي دورًا محوريًا على طاولة مجلس الأمن، حيث تمثل خيار السلام المستدام الوحيد القائم على سيادة الدولة ووحدة مؤسساتها. أي محاولة لتجاوزها، سواء عبر تحركات المليشيا أو ضغوط خارجية، ستصطدم بالواقع العسكري والسياسي المتغير لصالح الدولة السودانية.

في هذا الإطار، قال موسيفيني في تغريدة على “إكس” إن الحوار والحل السياسي السلمي هما السبيلان الوحيدان لاستقرار السودان والمنطقة، ويأتي ذلك في ظل تكليفه في وقت سابق من الاتحاد الأفريقي لترتيب لقاء بين الرئيس عبد الفتاح البرهان وحميدتي، ما يجعل عنتبي منصة محتملة لاختبار فرص التهدئة وبناء سلام مستدام، وفقاً للرؤية السودانية.

حيث تبرز مبادرة الرئيس الأوغندي كمسار وساطة محتمل، بما أكّده من استعداد بلاده للتوسط وحث الطرفين على وقف الأعمال العدائية وحماية المدنيين، وكان موسيفيني قد التقى رمطان العمامرة، المبعوث الخاص للأمم المتحدة للسودان، في وقت سابق للتنسيق بين جهود الوساطة الإفريقية والمبادرة السودانية. هذه الخطوة تمنح فرصة لتقريب وجهات النظر، لكنها تتطلب استجابة حقيقية من مليشيا الدعم السريع، التي تواجه واقع الهزيمة الضمنية، كما أقر بها حميدتي في تصريحاته عقب الزيارة.

المعطيات الميدانية تؤكد تفوق القوات المسلحة السودانية في القدرة على الحسم، بينما المليشيا تعاني نقص الموارد، الاعتماد على مرتزقة، وتشتت القوى، بما يعكس محدودية قدرتها على فرض واقع على الأرض. وبين نجاح الخطاب الرسمي في مجلس الأمن وحيوية التحركات الموازية في شرق إفريقيا، تتحدد المرحلة القادمة بمدى قدرة الدولة السودانية على الانتقال من سياسة رد الفعل والخضوع للضغوط إلى هندسة مبادرة دبلوماسية استباقية تُغلق الفجوات و تتحول إلى مسارات تفاوض بديلة.

كل هذه العناصر بحسب #وجه_الحقيقة تجعل عنتبي مسرح الاحتمالات الحرجة، حيث تتلاقى الضغوط الإقليمية والدولية مع الزخم العسكري والسياسي الداخلي، ويختبر كل طرف موقعه أمام خيارات حقيقية قد تحدد مستقبل السودان، سواء بإقرار السلام على أساس المبادرة السودانية أو استمرار النزاع وفقا لرؤية الحسم العسكري ،مع مخاطر أكبر على المدنيين واستقرار المنطقة. السياسة كما يعلّمنا التاريخ، لا تترك فراغًا طويلًا، ومن يملؤه أولًا، يكتب السطر التالي في رواية الحروب.

دمتم بخير وعافية.
الأحد 22 فبراير 2026 م Shglawi55@gmail.com