الصادق الرزيقي يكتب: الخلاف بين موسى هلال وحميدتي .. لماذا وكيف؟ (2)

أما قبل

الصادق الرزيقي

الخلاف بين موسى هلال وحميدتي .. لماذا وكيف؟ (2)

قلنا في الحلقة السابقة إن الخلاف بين الشيخ موسى هلال وقيادة مليشيا الدعم السريع تدحرج نحو الحافة، وتنامى بسرعة لأسباب تتعلق بطبيعة تكوين قوات حرس الحدود وكيفية إدارتها، والراجح أيضاً أن هناك تدخلات يد ثالثة كانت توقد ناراً بين الرجلين، مع تراكم الحنق لدى بعض (الحكمدارات) التابعين للشيخ موسى ومنهم حميدتي، وكثر حديثهم عن ما وجده زعيم المحاميد من حظوة وامتيازات واحتكاره توزيع النمر العسكرية وصرف الأموال على منتسبي القوات الناشئة، وذكرنا أن تمرد حميدتي 2006 و2007م، وظهور خلافات علنية مركبة مع قيادة الاستخبارات العسكرية والجيش من كلا الطرفين في حرس الحدود، بينما كان الشيخ موسى غير راضٍ عن تعامل الاستخبارات مع من يتبعون له مع شعوره بمحاولة تقليص دوره، كانت الأطراف الأخرى (حميدتي والآخرين) يصرون ويشددون على فصلهم الإداري والمالي وإنهاء تبعيتهم للشيخ موسى والتعامل معهم مباشرة، وتولى حميدتي التعبير المباشر عن هذا الموقف وكان الصوت الأبرز الأكثر إلحاحاً على تبديل ولائه وقلب ظهر المجن للشيخ موسى.
هناك عامل آخر ظل يثير حفيظة حميدتي منذ 2004م، هو بقاء منطقة غربي نيالا حتى (طور ونيرتتي) بجبل مرة خارج نطاق مسؤولياته ولم تكن تابعة له، وهو يحاول الاستفراد بقيادة حرس الحدود في كل جنوب دارفور، وكانت هذه المناطق وتشمل (كاس، شطاية، جنوب جبل مرة) ضمن حدود الولاية، مع اندلاع التمرد وضرب الطائرات في مطار الفاشر سارع محافظ محلية كاس اللواء طيار (م) أحمد أنقابو، بتكوين مجموعات تتبع لحرس الحدود في منتصف 2003م تضم بعض القادة المحليين لتأمين طريق (نيالا – كاس – زالنجي) ومناطق (كاس وشطاية)، وأُسندت القيادة لـ (أبو كماشة – من قبيلة البني هلبة) و(محمد الشهير بجون قرنق – من قبيلة الصعدة) و(التلجي وهو من أبناء المحاميد) و(نارييت – وهو خليط ما بين الرزيقات والبرقو)، احتُفل بتخريج هذه المجموعة في منطقة (القردود) جنوب شرق جبل مرة حضره بعض المسؤولين من الخرطوم رافقهم الصحفي الكبير يوسف عبد المنان، وران في خاطر حميدتي أن هذه المجموعة أُبعدت عنه وهي على صلة مباشرة مع موسى هلال وتنسق معه، في ذات الوقت حصر الوالي وقيادة الفرقة (16) دور حميدتي في المناطق حول نيالا.
كان أوج الخلاف وأبرز محطاته هو ما وقع في خواتيم العام 2006م، عندما خرّ صريعاً في حفل عرس لدى أحد بطون المحاميد بحضور موسى هلال، القائد محمد هادي عمير الشهير بـ (دقيرشو)، وهو أبرز أبناء الماهرية العليا في شمال دارفور، وكان مقرباً للشيخ موسى ولمحمد حمدان دقلو، وحدثت فتنة كبيرة بين المحاميد والماهرية بسبب مقتل الرجل أثناء إطلاق زخات من الرصاص في حفل العرس ابتهاجاً بالمناسبة، واتهم بعض قادة الماهرية الشيخ موسى هلال بتصفية ابنهم (دقيرشو)، وسرعان ما تجمعت قوات حميدتي من جنوب دارفور وجاءت مجموعة أخرى تتبع لمحمود صوصل أحد قادة الماهرية من وسط دارفور خاصة منطقة وادي صالح، حاصرت القوتان منطقة العزاء جنوب غربي كبكابية، في نفس اليوم الذي وصل وفد كبير من أبناء وقادة عرب شمال دارفور من الخرطوم إلى كبكابية ومنطقة النزاع في محاولة للتوسط ومنع اندلاع مواجهات مسلحة وأد الفتنة، ضم الوفد (اللواء طيار عبد الله صافي النور، عبد الرحمن أحمد موسى، أحمد سليمان بلح، آدم جماع آدم، الصادق محمد علي، محمد عيسى عليو، الفريق الهادي آدم حامد، المهندس محمد عبد الرحمن حسين، العميد الركن عصام صالح فضيل، برعي صالح فضيل، محمد إبراهيم قنيسطو) كما جاء وفد من الإدارات الأهلية بغرب دارفور، تحول مكان العزاء في منطقة (ميلو) جنوب غرب مدينة كبكابية إلى ساحة حرب على وشك الاشتعال، وفوجئ الجميع أن حميدتي حشد أكثر من (50) سيارة مسلحة توزعت بين الأشجار والخيران وكذلك فعل صوصل وقواته، وطوقوا مكان العزاء مع انعقاد جلسة الصلح، توترت الأجواء وكادت أن تقع مواجهة دامية لكن تم احتواء هذا الموقف بصعوبة، وحضر والي شمال دارفور عثمان كبر ووفده إلى مكان التجمع المستعر، أعلن عن نتائج تحقيق أولية في الحادث وأدى الجميع القسم خاصة الشيخ موسى هلال الذي أعلن أنه لا علاقة له البتة بحادث اغتيال دقيرشو وتم إطفاء نار الفتنة وتفرق الجمع لكن حميدتي رجع على مضض وهو غير مقتنع بما جرى.
بعد هذه الحادثة وما حوته من تهديدات باتت العلاقة بين الرجلين في الحضيض وتتراجع باستمرار، وعقب تمرد حميدتي ثم رجوعه في العام 2007، اتضح أن حالات من الاستقطاب والاستقطاب المضاد كانت تجري في كل دارفور، وبدأت تحيزات بطون وأفخاذ القبائل وتحالفاتها تأخذ مساربها، بينما كانت أجهزة الدولة تراقب ما يجري عقب توجيه المحكمة الجنائية الدولية اتهاماتها للرئيس البشير وبعض قيادات الدولة وحرس الحدود، بدأ التفكير من داخل قيادة الجيش يدعو إلى تقليص حرس الحدود تمهيداً لحله، وبدأت الخلافات تبرز بين الشيخ موسى هلال والدولة، وعمدت أجهزة الحكم إلى تقليص العمل مع حرس الحدود، وحُجبت النمر العسكرية والتجنيد لصالح الشيخ موسى هلال الذي كان قد وعد بتجنيد ما يقارب 30 ألف ولكن لم يمنح إلا (3000) نمرة، بالإضافة إلى توقف الدعم المالي مما شكل ضغطاً على الرجل ولم يستطع مقابلة التزاماته.
في 2009م بدأ الشيخ موسى يعبر عن مواقفه صراحة ويطلق من الفينة والأخرى تصريحات ناقدة للإنقاذ وقياداتها، واستعصم بمناطقه، ففي خريف نفس العام عبر رحلة شاقة من الخرطوم للفاشر ثم بالطائرة العمودية في مساعي وساطة قادها الأخ عبد الله علي مسار الذي كان يشغل منصب مستشار رئيس الجمهورية وكاتب هذه السطور، هبطنا في منطقة (وادي السنط) وهي بادية تقع بين مدينتي كتم وكبكابية، كان هلال متواجداً هناك، جلسنا ثلاثتنا عند طرف وادٍ صغير ومسيل ماء أهوج سريع الجريان، جلسة طويلة حكى فيها موسى كل تحفظاته ووعد بأنه لن يتمرد على الدولة قط.
في العام 2010 أجرى الرئيس البشير والمؤسسة العسكرية مراجعات مهمة حول تجربة حرس الحدود بالتركيز على مشكلاتها وإخفاقاتها، وكان القرار هو تصفية هذه القوات ودمج البعض منهم في الجيش وتسريح البقية، وكان على رأس الضباط الذين أوكل إليهم عملية المراجعة وتم الأخذ برأيهم رئيس مجلس السيادة الحالي عبد الفتاح البرهان. ولما كانت قيادة الجيش تكمل ترتيباتها لمراجعة وضع حرس الحدود تمهيداً لحلها، اتجه الشيخ موسى هلال للعمل في مجال التعدين في منطقة جبل عامر التي تقع شمال غرب كبكابية في أرض قبيلة البني حسين، وحاز هلال على نصيب في المناجم التعدينية وبدأ التعدين الأهلي يؤتي أكله، في هذا الوقت كان حميدتي الذي حظي بمنصب مستشار في حكومة ولاية جنوب دارفور بدرجة معتمد، يراقب الوضع في شمال دارفور ولا تغيب أعينه عن نشاطات موسى هلال.. فزاد الحنق…
مع تفرغ موسى هلال للعمل التعديني في جبل عامر وإعلان معارضته للإنقاذ وإطلاق تسجيلات صوتية من وقت لآخر وتأسيسه لمجلس الصحوة الثوري، كان حميدتي يؤدي مهامه كمستشار في حكومة جنوب دارفور، ويقوم بعمل تجاري لصالح الفريق أول صلاح قوش الذي خرج من قيادة جهاز المخابرات وكان يُصدر الماشية إلى مصر، تولى حميدتي عمليات الشراء وحماية الماشية من دارفور إلى سوق المويلح. وتلك قصة أخرى.
نواصل في الحلقة القادمة.