د. نجلاء حسين المكابرابي تكتب: الطيب صالح .. عبقرية السودان التي هزّت وجدان العالم

مسارات

د. نجلاء حسين المكابرابي

الطيب صالح .. عبقرية السودان التي هزّت وجدان العالم

 

تمرّ ذكرى رحيل الطيب صالح، فيعود إلى الوجدان صوتٌ روائيٌّ ظلّ يمشي بين ضفّتي النيل، حاملاً همَّ الإنسان السوداني وأسئلته الكبرى. لم يكن الطيب صالح مجرّد كاتب رواية، بل كان ذاكرة وطنٍ تُدوِّن تحوّلاته، ومرآة روحٍ تتأمل ذاتها في مرايا العالم.
من قريةٍ صغيرة على ضفاف النيل، خرجت شخصياته لتصير كونية. في رائعته الخالدة موسم الهجرة إلى الشمال، لم يكتب حكاية مصطفى سعيد فحسب، بل كتب صدام الحضارات، وارتباك الهوية، وحيرة المثقف بين جذوره وأفقه المفتوح. كانت الرواية سؤالاً كبيرًا: كيف نكون نحن دون أن نذوب في الآخر أو ننغلق دونه؟
أما عرس الزين فكانت احتفاءً بالحياة كما هي في بساطتها السودانية، حيث الطيبة الفطرية، والضحكة الصافية، والتسامح الذي يشبه ضوء الفجر في القرى. هناك تتجلى عبقرية الطيب صالح في قدرته على تحويل التفاصيل اليومية إلى شعرٍ سرديٍّ نابض.
تميّز أسلوبه بلغةٍ شفيفة، عميقة دون تعقيد، مشبعة بإيقاعٍ قرآنيٍّ عربيّ، ومطعّمة بلهجةٍ سودانيةٍ أصيلة، حتى بدا نصّه كأنه ينبت من تربة المكان. كان يكتب عن السودان، لكنه يخاطب العالم؛ لذلك تُرجمت أعماله إلى لغاتٍ عدة، وصار اسمه حاضرًا في كبريات المحافل الأدبية.
في ذكرى رحيله، لا نستحضر الحزن بقدر ما نستحضر الامتنان. الامتنان لكاتبٍ أعاد تعريف الرواية السودانية، ووضعها في خارطة الأدب العالمي. لقد غاب الجسد في شهر فبراير عام 2009، لكن النصّ باقٍ، والقرّاء يتجدّدون، والأسئلة التي طرحها ما تزال حيّة، ربما أكثر إلحاحًا في زمن التحوّلات العاصفة التي يمر بها السودان اليوم.
إن استدعاء الطيب صالح في هذه المرحلة ليس ترفًا ثقافيًا، بل حاجة وطنية؛ لأن أدبه يذكّرنا بأن الهوية ليست شعارًا، بل تجربة إنسانية عميقة، وبأن الريف والمدينة، الشمال والجنوب، الداخل والخارج، كلها خيوط في نسيجٍ واحد.
رحم الله الطيب صالح، الذي علّمنا أن الرواية ليست حكاية تُروى، بل وطن يُعاد اكتشافه بالكلمات.
وفي ذكراه، يبقى السؤال الذي تركه لنا مفتوحًا: كيف نكتب مستقبلنا كما كتب هو حكايتنا؟.